أ. د. محمد طاقة
يُفهم الاستقلال ، في معناه العام ، بانه تحرر الدولة من التبعية والسيطرة الخارجية ، وقدرتها على ادارة شؤونها الداخلية والخارجية ، واتخاذ قراراتها بصورة مستقلة .
ومن هذا المنطلق ، فان الاستقلال السياسي يعني امتلاك الدولة قرارها السياسي وسيادتها على أراضيها ، بينما يرتبط الاستقلال الاقتصادي بقدرتها على ادارة مواردها وانتاجها واقتصادها بعيداً عن الإملاءات والضغوط الخارجية .
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ، هل يوجد في العالم اليوم استقلال مطلق ، ام ان جميع الدول تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلال ؟
في اعتقادنا ، يصعب الحديث عن استقلال مطلق في ظل النظام الدولي المعاصر ، لان الدول اصبحت مترابطة اقتصادياً وسياسياً امنياً وتكنولوجياً ، ولا تستطيع اي دولة ، مهما بلغت قوتها ، ان تعيش بمعزل عن بقية العالم .
ولذلك فان الاستقلال في الواقع الدولي هو استقلال نسبي ، تتفاوت درجته من دولة إلى اخرى بحسب قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية وقدرتها على حماية قرارها الوطني .
وتظهر المشكلة بصورة أوضح في الدول التي خرجت من الاستعمار ، وهي تعاني من ضعف اقتصادي وهيكلي . فقد تحقق لبعضها الاستقلال السياسي ، لكنها لم تتمكن من تحقيق استقلال اقتصادي حقيقي ، فاصبحت تعتمد على الخارج في التمويل والتكنولوجيا والأسواق والاستثمارات ، الأمر الذي جعل استقلالها السياسي عرضة للتأثيرات والضغوط الخارجية .
العراق نموذجاً
ويقدم العراق مثالاً مهماً على هذه الإشكالية . فقد تمكن العراق ، خصوصاً بعد تأميم النفط ، من توسيع قدرته على التحكم بموارده الوطنية وبناء قاعدة اقتصادية وصناعية وزراعية وخدمية واسعة ، الأمر الذي عزز استقلال قراره الوطني في مرحلة مهمة من تاريخه .
ومع ذلك فان استقلال اي دولة لايقاس فقط بامتلاك مواردها ، وانما ايضاً بقدرتها على حماية قرارها السياسي والاقتصادي والامني من التأثير الخارجي .
فالعراق شأنه شأن معظم دول العالم ، ظل جزءاً من نظام دولي تحكمه موازين قوى كبرى وقواعد اقتصادية وسياسية ودولية، الأمر الذي يجعل مفهوم السيادة المطلقة أمراً بالغ الصعوبة .
وقد بلغ الأمر ذروته بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام (٢٠٠٣) عندما تعرضت مؤسسات الدولة العراقية إلى تفكيك واسع ، ومن ابرز القرارات التي اتخذتها سلطة الائتلاف المؤقتة ، حل الجيش العراقي إلى جانب اجراءات اجتثاث البعث ، وهي قرارات وثقتها الدراسات التاريخية والسياسية باعتبارها ذات تاثير كبير في قدرة الدولة على حفظ الامن وادارة المرحلة الانتقالية .
ومنذ ذلك الوقت دخل العراق مرحلة معقدة من اعادة بناء الدولة ، تداخلت فيها العوامل الداخلية مع التأثيرات الاقليمية والدولية ، واصبح موضوع السيادة العراقية لايتعلق فقط بوجود قوات اجنبية على الأراضي العراقية ، وانما آيضاً بمدى قدرة الدولة على احتكار ادوات القوة ، وتوحيد القرار السياسي وادارة اقتصادها ، ومنع القوى الخارجية من التأثير في خياراتها الوطنية .
هل خروج القوات الاجنبية يعني استعادة السيادة ؟
في ٣٠/ايلول/٢٠٢٦ اكتمل انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف من العراق ، منهياً المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق . وقد رحبت الحكومة العراقية بالحدث باعتباره بداية مرحلة جديدة من السيادة والمسؤولية الوطنية عن الامن .
لكن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة اكتمال الاستقلال والسيادة بمعناها الشامل . فالسيادة ليست مجرد غياب جندي اجنبي عن الارض ، وانما هي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها السياسية والاقتصادية والأمنية بصورة مستقلة ، وعلى فرض القانون على جميع أراضيها ، وامتلاكها قرار الحرب والسلم ،
واحتكارها الشرعي للقوة ، إضافة إلى امتلاكها هامشاً حقيقياً من الاستقلال الاقتصادي .
ومن هنا فان السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس هل خرجت القوات الأمريكية من العراق ؟ وانما هل اصبح القرار العراقي بعد خروجها قراراً وطنياً مستقلاً بالكامل ؟
ان خروج القوات الأمريكية يمثل بلا شك حدثاً مهماً في تاريخ العراق الحديث ، لكنه لا يمثل وحده المعيار النهائي للحكم على مستوى السيادة ، فالتحدي ينتقل من الوجود العسكري الأجنبي إلى قدرة الدولة العراقية على ادارة علاقاتها الدولية والإقليمية ، وضبط جميع القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة ، وتحقيق استقلال اقتصادي يسمح لها باتخاذ قراراتها بعيداً عن الضغوط الخارجية .
كما ان الولايات المتحدة ، بانتهاء وجودها العسكري المباشر في العراق ، لم تقطع علاقاتها بالعراق ، فقد أعلنت واشنطن ان المرحلة الجديدة تقوم على علاقة دفاعية ثنائية بينما انتقلت مهمة التحالف المتعلقة بمكافحة داعش إلى ترتيبات إقليمية جديدة .
وهنا يجب التمييز بين الوجود العسكري والنفوذ السياسي والاقتصادي ، فالدول الكبرى تستطيع تحقيق مصالحها من خلال التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والعلاقات المالية والدبلوماسية ، وليس بالضرورة من خلال وجود عسكري مباشر .
فعن أي سيادة نتحدث ؟
ان السيادة الحقيقية لا تُقاس بالاحتفال بخروج قوة اجنبية فحسب ، ولا برفع العلم الوطني على المؤسسات الحكومية ، وانما بقدرة الدولة على امتلاك قرارها .
فالدولة ذات السيادة ، هي الدولة التي تستطيع ان تقول (نعم ) أو (لا) وفقاً لمصالحها الوطنية ، وتستطيع ادارة مواردها وثرواتها ، وتحمي حدودها ، وتفرض القانون على أراضيها ،وتمنع اي قوة داخلية او خارجية من مصادرة قرارها .
أما إذا كان القرار السياسي موزعاً بين قوى داخلية مرتبطة بالخارج ، وكان القرار الاقتصادي شديد الارتهان للعوامل الخارجية ، وكانت الدولة عاجزة عن احتكار القوة او فرض القانون بصورة متساوية ، فان الحديث عن السيادة الكاملة يصبح أقرب إلى السيادة الشكلية منه إلى السيادة الفعلية .
ومن هنا فان العراق امام استحقاق اكبر من مجرد انتهاء الوجود الأمريكي العسكري ، استحقاق بناء دولة تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي والامني وتتعامل مع جميع الدول على اساس المصالح الوطنية المتبادلة ، لا على اساس التبعية لاي قوة إقليمية او دولية
فإذا كانت السيادة تعني امتلاك القرار الوطني ، فان السؤال الذي ينبغي ان ي يبقى مطروحاً هو :
عن اي سيادة تتحدثون ، إذا كان خروج قوة اجنبية لايعني بالضرورة انتهاء أشكال النفوذ والتبعية الاخرى ؟
عمان
في ١/١٠/٢٠٢٦










