بقلم: رابح زعيط
أكتب هذه الشهادة لا لأقدم نفسي بطلاً، ولا لأقول إنني كنت أقوى من غيري، وإنما لأحكي ما عشته كما عشته، بكل ما فيه من خوف وتردد وهروب وعودة ومحاولة للمساعدة.
نعم، هربت، وأقولها دون خوف أو خجل. لكنني هربت من النار والموت، ولم أهرب من الجزائر، ولا من مسؤوليتي تجاه أهلي وبلادي.
كانت رحلتي من العاصمة إلى جيجل من أجل حضور عرس ابن أحد أقاربي. وصلت إلى بوتياس، وكنا ننتظر وصول موكب العروس إلى قاعة الحفلات، لكن الموكب لم يصل. ومع مرور الوقت بدأنا نفهم أن الأمر لم يعد عرسًا عاديًا، وأن النار بدأت تقطع الطرق وتحاصر الناس.
كان أخي مع موكب العروس، ومعه الأطفال والعائلة. اتصل بي للمرة الأخيرة وقال:
«ألو رابح، إحنا رانا في السيارة، والنيران محاصرة فينا، الله غالب، ماكان كيف نوصل إليك.»
قلت له:
«احتفظ بالأولاد وحاول كيف تسلك راسك، ارجع إلى مكان آمن.»
ثم انقطع الاتصال.
بعدها اتصلت بي أمي وسألتني:
«أنت فين؟»
قلت لها:
«أنا في قاعة الحفلات بوتياس، وأخي ذهب مع موكب العروسة وانقطع الاتصال.»
فقالت:
«حاول تخرج من هناك وابحث عن أخوك.»
ثم انقطع الاتصال معها أيضًا.
بدأ الهاتف يسخن، والبطارية تنخفض بسرعة، والشبكة تظهر وتختفي بين جيزي وأوريدو. وفي تلك اللحظات، لا تعرف أين توجد النار، ولا من أين ستأتي، ولا أي طريق ما زال مفتوحًا.
بعدها وصلتنا أخبار بأن الموكب استطاع الخروج، وأن أخي والأطفال والعائلة أصبحوا في أمان. لكن النار كانت تتقدم.
بدأ الدخان يقترب من القاعة، وانقطعت الكهرباء، وبدأ الناس يغادرون المكان.
كنت مع أحد أقاربي، وأخو العريس، وبعض أفراد العائلة. قلت لقريبي:
«الله غالب، لازم نغادر المكان. وانت بالسيارة ما تكفينا جميعًا، أنا نذهب.»
فقال لي:
«السماح ابن عمو، اذهب.»
خرجت، ووصلتنا معلومات أن النار توقفت في جزء من الطريق بين الميلية والعنصر، فحاولنا المرور بسرعة.
وصلت إلى العنصر، وقيل لي إن الطريق نحو الرميلة ممكن، بينما كان آخرون يتجهون نحو جيجل.
وفي الطريق توقفت عند سيارة كان صاحبها ينقل أشخاصًا مصابين من جهة بوالبلوط وناتور.
واصلنا السير حتى وصلنا إلى الملاقي. كان الليل قد نزل، والدخان في كل مكان.
ثم وصلنا إلى المحرقة، وهناك وجدنا النار تقطع الطريق، ولم يستطع السائق مواصلة السير، فنزلنا.
قلت لمن كان معي:
«نهربوا للواد.»
فقال لي:
«مستحيل توصلنا.»
ركضت.
ومن شدة الخوف دخلت في اتجاه الغابة عند أحد المنعرجات، لأنني لم أكن أعرف المنطقة جيدًا. وفي تلك اللحظة، سترني ربي، إذ وجدت رجلًا كبيرًا في السن أشار لي إلى الطريق الصحيح وأعادني إليه.
بعدها مرت حافلة خاصة وساعدتني، وواصلت الطريق حتى وصلت إلى الرميلة.
وهناك وجدت أخي والعائلة والأطفال سالمين.
كانت لحظة لا توصف.
بقينا حتى حوالي الرابعة صباحًا، فقال لي أخي:
«ادخل للمسجد ونام شوي، وأنا هنا نحرس. أنت بت مسافر ووصلت للعرس ووقع ما وقع.»
دخلت المسجد ونمت حوالي ساعة.
ثم جاء أخي وقال:
«هيا نطلع للمنزل، منزل الأب.»
ذهبت معه.
وفي تلك الليلة لم يكن النوم نومًا. كان الجسد يريد الراحة، لكن العقل ما زال يسمع النار، ويرى الدخان، ويبحث عن طريق للنجاة.
في الصباح قال لي أخي:
«نطلعو لبلهادف، وانت نعرفك تحب القهوة، نشربوا قهوة ونرجعوا.»
كنت متعبًا جدًا، وكنت أريد الرجوع إلى العاصمة.
فقال لي:
«خذ راحتك، أنا بالسيارة، حتى نشوف الجو مناسب نطلع.»
كنت أظن أن الأسوأ انتهى، لكنني لم أكن أعرف أنني سأعود مرة أخرى إلى تلك المناطق، وأن ما سأراه هناك سيبقى معي إلى اليوم.
العودة إلى جيجل… ومواجهة آثار الكارثة
بعد كل ما عشته، رجعت إلى العاصمة، وأنا أحمل في داخلي صورًا لم أستطع التخلص منها.
كنت متعبًا ومريضًا، والطبيب نصحني بالراحة. لكن بعد حوالي ثلاثة أيام عدت مرة أخرى إلى جيجل.
هذه المرة لم أعد فقط لأهرب، وإنما عدت وأنا أريد أن أرى بعيني ما حدث، وأن أكون قريبًا من أهلي والناس، وأن أفهم حجم الكارثة.
أخذني أخي معه في السيارة، وبدأنا جولة في الأماكن المتضررة.
وهناك وقفت أمام مشاهد لا تصدقها العين.
بيوت محروقة، وأشجار تحولت إلى سواد ورماد، وجرارات وآليات وممتلكات لم يبق منها إلا آثار، وطرقات ومناطق كاملة تغير شكلها.
دمار في كل مكان، وكأن بركانًا مر من هنا.
تنظر إلى المكان ولا تكاد تصدق أنك كنت تعرفه من قبل.
كان أهلي أمام بيتهم، مصدومين، واقفين ينظرون إلى ما حدث بصمت، ويحاولون الصبر على مصيبة لا يمكن وصفها بالكلمات.
رأيت أبقارًا مرمية على حافة الطريق، وحيوانات لم تستطع الهروب من النار.
وتذكرت الدجاج وهو يركض مذعورًا، ويحاول أن يجد لنفسه مكانًا ينجو فيه.
وتذكرت النار وهي تقفز من مكان إلى آخر، والدخان الذي غطى السماء، وأصوات الناس التي سمعتها في بويامن يوم الخميس.
كل تلك الصور اجتمعت أمامي في لحظة واحدة.
كنت داخل السيارة مع أخي وأشاهد كل ذلك أمام عيني. وكلما تقدمنا ظهر دمار جديد: بيت هنا، شجرة هناك، حيوان على حافة الطريق، وعائلة واقفة أمام ما تبقى من منزلها.
مكان كان بالأمس حياة، أصبح اليوم رمادًا.
عندها لم أستطع التحمل.
قلت لأخي:
«لازم نرجع.»
طلبت منه أن يرجع، وحاول أن يجعلني أبقى معه، وقال لي بمعنى الكلام: خذ راحتك ولا تستعجل في الرجوع.
لكنني لم أستطع.
لم يكن الأمر قرارًا عاديًا. كنت قد وصلت إلى مرحلة أصبح فيها المشهد أثقل من قدرتي على الاحتمال.
كنت أرى أمامي كل ما حدث، وأشعر أن النار لم تنتهِ بالنسبة لي، حتى وإن توقفت في بعض الأماكن.
حاولت أن أبقى معه، لكنه لم يستطع أن يغير قراري.
وفي اليوم الثاني غادرت.
خرجت وأنا أحمل معي صورًا لا أعرف كيف أشرحها للناس.
خرجت وأنا أشعر بالحسرة، وأقول لنفسي:
هل كان يجب أن أبقى؟
هل كان يجب أن أفعل أكثر؟
هل كنت ضعيفًا؟
هذه الأسئلة بقيت تلاحقني.
لكنني فهمت شيئًا مهمًا: الإنسان في لحظة الخطر ليس هو الإنسان نفسه عندما يكون جالسًا في مكان آمن.
في تلك اللحظات، الخوف غريزة، والنجاة غريزة.
نعم، هربت.
هربت من النار، وهربت من الموت، وهربت لأنني أردت أن أبقى حيًا.
لكنني لم أهرب من الجزائر، ولم أهرب من الناس، ولم أهرب من مسؤوليتي.
من الخوف إلى التفكير في المساعدة
منذ رجوعي إلى العاصمة بدأت أفكر:
ماذا يمكنني أن أفعل؟
ومن تجربتي مع انقطاع الكهرباء والاتصالات جاءتني فكرة شحن الهواتف والبطاريات، لأنني عرفت معنى أن يكون هاتفك على وشك الانطفاء وأنت لا تعرف أين أهلك، ولا من يحتاج إليك.
ومن مشاهد الحيوانات التي رأيتها جاءتني فكرة ضرورة الاهتمام بعلف الحيوانات.
وفكرت في القوافل التي تصل إلى المناطق المعزولة، وفي الماء والثلج، وفي مواد الطبخ والأواني، وفي قوائم المستشفيات.
وفكرت أيضًا في ضرورة التحقق من المعلومات قبل نشرها، حتى لا نزيد معاناة الناس بالإشاعات والأخبار الكاذبة.
وأصبحت أؤمن أن المساعدة لا يجب أن تنتهي بانتهاء الحريق.
فالحريق ينتهي في لحظة، لكن آثار الكارثة قد تبقى سنوات.
هناك أطفال فقدوا آباءهم، وعائلات فقدت بيوتها، وأناس فقدوا ممتلكاتهم ومصادر رزقهم، وحيوانات فقدت أصحابها، وهناك جرح نفسي لا يظهر في الصور.
لهذا يجب أن تستمر المساعدة، وأن يبقى التكافل حاضرًا، حتى بعد أن تهدأ الكاميرات وتنتهي الأخبار.
لم أهرب من الوطن
أما أنا، فهذه شهادتي.
لا أكتبها لأقول إنني بطل، ولا أكتبها لألوم من هرب، ولا لأحكم على من بقي.
كل إنسان عاش تلك اللحظات بطريقته.
أنا فقط أحكي ما عشته.
ذهبت إلى العرس، فوجدت نفسي وسط النار.
هربت، ثم عدت.
رأيت الدمار، ثم رجعت إلى العاصمة.
ثم عدت مرة أخرى.
رأيت أهلي مصدومين أمام بيوتهم.
رأيت الأشجار والمنازل والجرارات والممتلكات وقد تحولت إلى رماد.
رأيت الأبقار مرمية على حافة الطريق.
وتذكرت الدجاج وهو يحاول النجاة.
وسمعت صيحات الناس.
ورأيت النار وهي تقفز.
ثم قلت لأخي:
«لازم نرجع.»
ورجعت.
نعم، هربت من النار، لكنني لم أهرب من الوطن.
وقد أكون ضعفت في لحظة، لكنني لم أفقد رغبتي في الوقوف مع الناس.
تعلمت أن البطولة ليست دائمًا أن تبقى واقفًا أمام النار.
أحيانًا تكون البطولة أن تعرف قيمة الحياة، وأن تنجو، ثم تعود بعد الخوف وتسأل نفسك:
ماذا أستطيع أن أفعل؟
النار لم تحرق روح الجزائر
وأكثر شيء بقي في قلبي وسط كل ذلك الدمار هو مشهد الجزائريين الذين جاؤوا من مختلف الولايات.
سيارات، وشاحنات، وشباب، وجمعيات، ومواطنون بسطاء يحملون الماء والطعام والمساعدات.
لم يسألوا: من أي عائلة أنت؟ ولا من أي منطقة؟
كان السؤال الوحيد:
«من يحتاج إلى المساعدة؟»
وهنا عرفت أن النار تستطيع أن تحرق بيتًا، وشجرة، وممتلكات، لكنها لا تستطيع أن تحرق روح الجزائر.
ستبقى الجزائر.
وستبقى جيجل.
وستعود جيجل خضراء بإذن الله.
وسيأتي جيل من بعدنا ليعمرها، ويحميها، ويحافظ عليها.
الجزائر أمانة… وجيجل أمانة.
تحيا الجزائر، وتحيا جيجل.
رابح زعيط











