خـــــــالد غواص
ما من مجتمع أو مكون على الأرض عموماً أو في أي دولة أو مكان أو منطقة إلا وله عاداته وقيمه وتقاليده وإرثه الإجتماعي والثقافي بل إن الإختلاف قد يكون موجوداً حتى بين مناطق الدولة الواحدة،
فعندما تختلط بمجموعة من الناس أو ترافقهم أو تصاحبهم أو تحل عليهم ضيفاً أو زائراً فمن الجميل أن تحاول التعرف ولو بصورة بسيطة على عاداتهم وتقاليدهم خصوصاً ما يتعلق بالضيافة وآداب التعامل والسلوك المتعارف عليه بينهم قبل القدوم عليهم ، فمعرفة هذه الأمور تساعدك على تجنب بعض التصرفات التي قد تكون عادية ومقبولة في مجتمعك لكنها قد تبدو غريبة أو غير مألوفة أو حتى غير مقبولة في مجتمع آخر .
وأذكر هنا موقفاً طريفاً حدث ذات يوم عندما كنا في طلعة بإحدى الإستراحات في منطقة حكبيت نجد ظفار ،
كان صاحب العزبة يملك بعض الأغنام وكانت إحدى الأغنام على وشك الولادة إلا أن ولادتها كانت متعسرة ويبدو أن مولودها قد مات في بطنها ولما صعبت حالتها على صاحبها أخذها برفقة أحد الأشخاص إلى الطبيب البيطري في ثمريت ،
تمكن الطبيب من إخراج المولود بعد أن اضطر إلى تقطيعه لوصل داخل بطنها ، ثم عاد الرجلان بعد ذلك باتجاه العزبة .
وفي الطريق صادفا شخصين من دولة عربية وكان يشيرا للسيارات بهدف أن يصطحبهما أحد إلى صلالة ، فتوقفا عندهما وسأل أحدهم هل إتجاهكم إلى صلالة قالا له ليس الأن وأخبراهما بأن لديهما إستراحة سيقضيان فيها بعض الوقت ويتناولان العشاء مع بقية شباب أخرين ، وبعد ذلك سيتوجهون إلى صلالة ، فعرضا عليهما أن يصطحباهما معهم فوافقا .
فركبا معهما بالسيارة وتوجهوا إلى العزبة وبعد وصولهم صلينا صلاة العشاء وبعدها بحين تم تجهيز العشاء وكان عبارة عن ذبيحة لحم غنم تم شويه ،
جلسنا جميعاً على شكل دائرة على عدد ثلاث صياني كبار كل مجموعة على صينية لتناول العشاء وكان من ضمن اللحم عظام الأضلاع المشوية أو ما نسميه نحن في ظفار “الجفوش” الموزعة على الصياني ضمن اللحم والعظام الأخرى التي تكون على الرز المفروش بالصينية .
ومن العادات الجميلة المتعارف عليها عند كثير من أهل ظفار أنه عندما تكون المجموعة كبيرة، وتكون بعض قطع العظام كتلك أو الزور “الصدر” أو الرأس أقل عدداً من عدد الأشخاص فإن الناس لا يستأثرون بها لأنفسهم بل قد يعزم أحدهم بها على من يواليه أو الأكبر سناً ووقاراً أو الضيف ويقدمها له وهكذا بإعتبارها من الأجزاء المحببة لدى كثير من الناس ،
المهم أن أخانا الجالس معنا لاحظ أن الموجودين لم يتناولوا تلك العظام فقام بتجميع جزء كبير منها ووضعها تحته وتحت رفيقه بالطرف الموالي له من الصينية التي كنا نأكل منها وقال لنا ضاحكاً
أنتم ما تعرفوش اللحم ، هذه العظام نسميها الريش وهي أفضل أكل 😂
فقلنا له بالله عليك؟
فقال نعم
فقلت له دعني أجرب معك واحدة
فقال ذوق وقل لي رأيك
فأخذت واحدة وتذوقتها وقلت له ما أجملها
ثم قلت للشباب ذوقوا وجربوا
فبدأ الشباب يأخذون من تلك العظام حتى لم يتبق لأخينا الذي قام بتجميعها تحته منها إلا واحدة كان لا يزال يتناولها 😂
والطريف أن أحد الأشخاص المجاور له قام بتقديمها له بالبداية علماً بأن اللحم الآخر والعظام الأخرى كانت وفيرة فالذبيحة كاملة موجودة ولم يكن هناك أي نقص في الطعام .
وبعد ذلك بدأ الجميع يشيدون بطعم تلك العظام كنوع من المجاملة ودون أن يشعرون الجانب الأخر بأي شيء .
الشاهد من هذه القصة ليس السخرية من أخينا ولا الشماتة به فهو تصرف على سجيته وربما كان زائراً جديداً ولا يعرف العادات المتعارف عليها في ظفار ،
أو من الممكن أنه أعتقد ببساطة أننا لا نحب تلك العظام أو لا نرغب في تناولها ولذلك قام بتجميعها لنفسه ولصاحبه .
ولو كان يعرف أو كان على دراية بالعادة المتعارف عليها لما بدر منه ذلك التصرف العفوي وعرف أن تقديم مثل تلك القطع للآخرين قد يكون نوعاً من الكرم والإيثار لربما تصرف بطريقة مختلفة،
وهنا تكمن الفكرة التي أريد إيصالها وهي
عندما تنتقل من مجتمع إلى آخر ، أو تختلط بأناس تختلف عاداتهم وتقاليدهم عن عاداتك فلا تتسرع في الحكم على سلوكهم ولا تتسرع كذلك في إظهار سلوكياتك قبل أن تتعرف على ما هو متعارف عليه بينهم ، فالإختلاف في العادات ليس خطأ من أحد ، وإنما هو نتيجة طبيعية لإختلاف المجتمعات وثقافاتها وتاريخها ، وكلما كان الإنسان أكثر معرفة بعادات من حوله كان أكثر قدرة على التعامل معهم بإحترام وتجنب المواقف المحرجة وكسب محبتهم وتقديرهم ، فالضيف الذكي ليس من يعرف كيف يتحدث فقط وإنما من يعرف أيضاً كيف يتصرف ومتى يتصرف وما الذي يليق بالمكان وأهله .
……
السبت : ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م .














