بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
في اللحظة التي وقّع فيها على القرض، كان سعيدًا.
السيارة الجديدة تنتظره أمام المعرض، تلمع تحت الأضواء، ورائحتها الجديدة تملأ المكان. التقط لها صورة، وأرسلها إلى أصدقائه، وانهالت عليه عبارات التهنئة:
مبروك… الله يعطيك خيرها ويكفيك شرها.
بعد أشهر، أصبح منظر السيارة عاديًا.
وبعد عام، نزل طراز أحدث منها.
لكن شيئًا واحدًا لم يصبح قديمًا…
القسط.
كان ينتظره في نهاية كل شهر.
ومع القسط إيجار البيت، والكهرباء، والماء، ومصاريف الأبناء، والطعام، والوقود، والالتزامات التي لم تكن موجودة يوم وقّع على ذلك العقد.
وهنا اكتشف متأخرًا أن بعض الأشياء نشتريها في دقائق…
ثم نقضي سنوات ندفع ثمنها.
ليست المشكلة في الدَّين وحده
ليس كل دَين خطأ.
وليس كل مدين مسرفًا.
قد يستدين الإنسان لعلاج، أو سكن، أو تعليم، أو مشروع مدروس، أو ظرف قاهر لم يكن في حسبانه. وقد يفقد إنسان وظيفته بعدما رتب حياته على دخل مستقر، أو يمرض، أو تصيبه أزمة تقلب حساباته كلها.
فهؤلاء لا يحتاجون إلى محاضرة في حسن التدبير بقدر ما يحتاجون إلى يد تعينهم على النهوض.
لكن حديثنا هنا عن نوع آخر من الديون:
الدَّين الذي نصنعه بأيدينا لنعيش حياة أكبر من قدرتنا.
أن يكون دخلك قادرًا على منحك حياة كريمة، لكنك ترفض تلك الحياة لأنك تريد حياة تشبه حياة شخص آخر.
وهنا لا تكون المشكلة دائمًا أن دخلنا قليل…
أحيانًا تكون المشكلة أن الصورة التي نريد أن نعيش بها أكبر من دخلنا.
حين نشتري إعجاب الآخرين ،سيارة أغلى مما نحتاج.
هاتف جديد رغم أن القديم يعمل.
ساعة لا نشتريها لمعرفة الوقت.
حفل زفاف يتجاوز قدرة الزوجين والأسرتين.
سفر لا تسمح به الميزانية.
أثاث يتغير لأن الزوار سيأتون.
ملابس وماركات وكماليات، لا لأن الإنسان يحتاج إليها، بل لأن الآخرين سيرونها.
وهنا ينبغي أن يسأل الإنسان نفسه سؤالًا بسيطًا:
لو لم يرني أحد بهذا الشيء… هل كنت سأشتريه؟
إذا تغيرت الإجابة، فربما لم تكن تشتري السلعة أصلًا.
ربما كنت تشتري نظرة الناس إليك.
والمشكلة أن إعجاب الناس مجاني بالنسبة إليهم…
*لكن فاتورته عليك أنت.*
هم يقولون: ما شاء الله.
ثم يعودون إلى بيوتهم.
وأنت تعود إلى بيتك ومعك القسط.
فنشتري أحيانًا أشياء لنبدو أمام الناس أغنياء…
ثم نجلس وحدنا نحسب كيف سنسدد ثمنها. نحن نرى ما يملكون… ولا نرى ما عليهم وهنا تدخل المقارنة.
فلان اشترى سيارة جديدة.
فلانة سافرت إلى بلد جميل.
فلان بنى بيتًا.
فلانة أقامت حفلًا فاخرًا.
فننظر إلى المشهد الظاهر، ثم نقارن حياتنا به.
لكننا لا نرى الحساب البنكي.
ولا القرض.
ولا الأقساط.
ولا بطاقة الائتمان.
ولا القلق الذي يسبق موعد الاستقطاع.
نحن نرى السيارة…
ولا نرى سنوات السداد خلفها.
نرى البيت…
ولا نرى الالتزام المالي الذي قد يمتد عقودًا.
نرى صور السفر…
ولا نعرف كيف دُفعت تكلفته.
ولذلك:
لا تقارن راتبك بمظاهر الناس؛ فأنت لا تعرف كم من تلك المظاهر يملكونها فعلًا، وكم منها ما زال ملكًا للبنك.
«اشترِ الآن… وادفع لاحقًا»
ومن أخطر ما تغير في ثقافتنا الاستهلاكية أن الشراء أصبح أسهل من التفكير.
لم تعد بحاجة دائمًا إلى أن تملك المال.
خذ السلعة الآن.
وادفع الشهر القادم.
أو قسّطها.
أو استخدم البطاقة.
وتبدو العبارة جميلة:
«ادفع لاحقًا».
لكن «لاحقًا» ليس شخصًا آخر.
إنه أنت.
أنت بعد شهر.
وأنت بعد ستة أشهر.
وأنت بعد عام.
وكل مرة تؤجل فيها ثمن رغبة من رغبات اليوم، ترسل جزءًا من الفاتورة إلى نفسك في المستقبل.
حتى يأتي ذلك المستقبل، فيكتشف أن راتبه قد صُرف قبل أن يصل إليه.
عندما يصبح الراتب ملكًا للماضي
وهذه من أقسى صور الدَّين.
يستيقظ الإنسان في بداية الشهر، وينزل راتبه إلى حسابه.
لكنه لا يشعر أنه استلمه.
هذا للبنك.
وهذا للقرض.
وهذا للبطاقة.
وهذا للقسط.
وهذا لدين سابق.
ثم ينظر إلى ما تبقى ليسأل:
كيف سأعيش بقية الشهر؟
وهنا تحدث المفارقة:
هو يعمل اليوم ليدفع ثمن قرارات اتخذها بالأمس.
وقد يرتفع راتبه، لكنه لا يشعر بالتحسن؛ لأن كل زيادة سبقتها التزامات تنتظرها.
وحينها لا يعود الإنسان يملك راتبه…
بل يصبح راتبه أسيرًا لماضيه.
الدَّين لا يسكن الحساب البنكي وحده
الدَّين قد يبدأ رقمًا في تطبيق مصرفي.
لكنه أحيانًا ينتقل إلى البيت.
يدخل بين الزوج وزوجته.
ويجلس مع الأسرة على مائدة الطعام.
ويذهب مع الإنسان إلى فراشه.
كم من خلاف أسري بدأ من سؤال:
أين ذهب الراتب؟
وكم من أب اضطر إلى ساعات عمل إضافية لا ليصنع مستقبلًا أفضل لأبنائه، بل ليسدد التزامات صنعتها اختيارات قديمة؟
وكم من إنسان يسمع رنين هاتفه فيخشى أن يكون اتصالًا يطالبه بالسداد؟
وهنا نفهم أن المشكلة ليست مالية فقط.
فالديون قد تستدين من راحة الإنسان أيضًا.
تأخذ من نومه.
ومن هدوئه.
ومن وقته مع أسرته.
ومن قدرته على اتخاذ قراراته بحرية.
وربما أخذت شيئًا من علاقاته وصدقه ووعوده.
ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بالله من المأثم والمغرم، ولما سُئل عن كثرة استعاذته من المغرم قال:
«إن الرجل إذا غَرِمَ حدَّث فكذب، ووعد فأخلف».
فالدَّين حين يثقل قد لا يضغط على مال الإنسان وحده…
قد يبدأ في الضغط على أخلاقه أيضًا.
بعض الأشياء نستخدمها عامًا… ونسددها أعوامًا
قبل أن تشتري، لا تنظر فقط إلى القسط الشهري.
انظر إلى العمر الذي ستدفعه مقابل ذلك القسط.
قد يبدو لك مبلغ صغير كل شهر.
لكن اجمعه على أربع أو خمس أو سبع سنوات.
ثم اسأل:
هل يستحق هذا الشيء أن أقتطع من مستقبلي كل هذا؟
وهنا يظهر الفرق بين قولنا:
«أستطيع دفع القسط»
وقولنا:
«أستطيع تحمل هذا الالتزام».
فقد تستطيع دفع القسط اليوم.
لكن ماذا لو تغير عملك؟
ماذا لو مرضت؟
ماذا لو احتاج أحد أبنائك إلى نفقة لم تكن في الحسبان؟
ماذا لو ارتفعت تكاليف الحياة؟
فالراتب الذي سيأتي بعد ثلاث سنوات ليس مالك اليوم.
لأن المستقبل له احتياجات لم تولد بعد.
عندما نستدين لنعيش حياتنا العادية
وهناك علامة ينبغي ألا نتجاهلها.
إذا أصبح الإنسان يحتاج إلى الاقتراض باستمرار حتى يكمل شهره، ثم يقترض في الشهر التالي ليغطي الشهر السابق، فالمشكلة لم تعد فاتورة طارئة.
هناك خلل يحتاج إلى مواجهة.
قد يكون الدخل غير كافٍ فعلًا.
وقد تكون الديون القديمة هي السبب.
وقد يكون سوء إدارة.
وقد يكون مستوى معيشة تجاوز القدرة.
وفي جميع الأحوال، لا ينبغي معالجة الدين بدين جديد إلى ما لا نهاية.
فإذا كنت تحتاج إلى الاقتراض كل شهر حتى تعيش مستوى حياتك المعتاد، فربما المشكلة لم تعد في الشهر… بل في مستوى الحياة نفسه.
ليس الفقير من لا يملك سيارة فارهة
لقد تغيرت بعض مفاهيمنا عن الغنى.
أصبح الإنسان الذي يقود سيارة متواضعة يظن أنه أقل من غيره.
والذي يحمل هاتفًا قديمًا يشعر أنه متأخر.
والذي لم يسافر هذا العام يعتقد أن شيئًا ينقص حياته.
مع أن الغنى الحقيقي قد يكون في مكان آخر تمامًا.
رجل بسيط ينام ولا يطالبه أحد بريال…
قد يكون أكثر راحة من رجل تحيط به مظاهر الثراء، لكنه أمضى راتب السنوات القادمة قبل أن يعيشها.
فالثراء ليس دائمًا في الأشياء التي نملكها.
أحيانًا يكون الثراء في الأشياء التي نستطيع شراءها ثم نختار ألا نشتريها لأننا لا نحتاج إليها.
والقناعة ليست فقرًا.
بل قد تكون من أذكى صور الغنى.
لا تَخجل من قول: «لا أستطيع»
من أكثر الكلمات التي يمكن أن تنقذ الإنسان ماليًا:
لا أستطيع.
لا أستطيع شراء هذه السيارة الآن.
لا أستطيع السفر هذا العام.
لا أستطيع إقامة حفل بهذه التكلفة.
لا أحتاج إلى تغيير هاتفي.
سأؤجل.
سأجمع المال أولًا.
سأختار الأرخص.
هذه ليست كلمات فشل.
إنها كلمات إنسان يعرف حدوده.
فليس عيبًا أن تعيش على قدر دخلك.
العيب أن تعيش على قدر إعجاب الآخرين ثم تطلب من مستقبلك أن يدفع الحساب.
ثلاثة أسئلة قبل الشراء
ولعلنا نستطيع أن نضع أمام أنفسنا قاعدة بسيطة قبل أي التزام مالي كبير:
هل أحتاج هذا الشيء فعلًا؟
هل أستطيع دفع ثمنه دون أن أضر بحقوق أسرتي أو أمان مستقبلي؟
ثم السؤال الأصعب:
لو لم يرني به أحد… هل سأظل أريده؟
قد يوفر السؤال الثالث على الإنسان آلاف الريالات.
لأنه يفرق بين الحاجة والمظهر.
وبين ما نشتريه لأنفسنا…
وما نشتريه لعيون الآخرين.
الدَّين ليس عارًا… لكن تجاهله خطر
ومن المهم ألا يتحول هذا الحديث إلى إدانة للمدين.
من وقع في دين فلا يحتاج إلى أن نقف فوقه ونخبره كم كان مخطئًا.
إن كان مظلومًا بظرفه، فلنساعده.
وإن أخطأ في قراراته، فلنساعده على التصحيح.
والاعتراف بالمشكلة أول طريق الخروج منها.
أن يجلس الإنسان مع نفسه وأسرته، ويكتب ما عليه، ويوقف الكماليات، ويرتب ديونه، ويعيد النظر في مستوى إنفاقه، ويطلب المشورة عند الحاجة.
قد يكون التراجع عن بعض المظاهر مؤلمًا…
لكنه أقل ألمًا من استمرار حياة كاملة مبنية على دين يتضخم.
ولا ينبغي أن نخجل من النزول درجة في المظاهر…
إذا كان ذلك سيرفعنا درجات في راحة البال.
لا تشترِ اليوم من راحة الغد
ليس الغنى أن يقف أمام بيتك ما يثير إعجاب الناس، بينما يجلس داخله رجل يخشى نهاية الشهر.
وليس النجاح أن تستطيع شراء كل ما تريد.
النجاح أحيانًا أن تعرف ما الذي تستطيع شراءه، ثم تعرف ما الذي لا يستحق أن تشتريه.
استمتع بما رزقك الله.
اشترِ الجميل إذا كنت قادرًا عليه.
وسافر إذا استطعت.
وابنِ بيتك.
واشترِ سيارتك.
ولا تجعل القناعة ذريعة للبخل على نفسك وأهلك.
لكن اجعل بين رغبتك وقرارك لحظةً تسأل فيها:
هل أشتري شيئًا أحتاج إليه… أم أشتري لحظة إعجاب سيدفع ثمنها مستقبلي؟
فالمال الذي لم تكسبه بعد ليس مالك اليوم.
والراتب الذي سيأتي بعد سنوات له حقوق والتزامات لا تعرفها بعد.
ولا تجعل أبناءك يدفعون ثمن صورة أردت أن تظهر بها أمام الناس.
ولا تجعل زوجتك أو زوجك يعيش قلق سنوات من أجل متعة استمرت أيامًا.
ولا تجعل شبابك كله يذهب في سداد أشياء فقدت بريقها منذ زمن.
فكم من شيء أسعد صاحبه يوم اشتراه…
ثم أصبح بعد أشهر أمرًا عاديًا في حياته،
بينما بقي دَينه استثنائيًا في كل شهر.
وقبل أن توقع قرضًا جديدًا، أو تشتري ما لا تحتاج إليه، أو تقول لنفسك: «سأدفع لاحقًا»…
تذكر:
«لاحقًا» هو أنت أيضًا.
فلا تأخذ من راحته أكثر مما يستطيع احتماله.
لأن بعض الناس يشترون اليوم ما يريدون…
ثم يقضون أعوامًا يسددون ثمنه من راحة الغد.















