الإرهاب… حين تتغير التسمية بتغيّر هوية الفاعل

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

حين يسقط الأبرياء، يفترض أن يكون السؤال الأول:

ماذا حدث؟
لا:
مَن فعل؟
فالدم الذي يسيل لا يسأل عن دين القاتل، والخوف الذي يدخل قلب الطفل لا يميز بين مسلم ومسيحي ويهودي وملحد، والأم التي تفقد ابنها لا يخف ألمها لأن من قتله ينتمي إلى هذا العرق أو ذاك.

ومع ذلك، فإن الكلمات التي نستخدمها لوصف العنف ليست دائمًا بريئة من تأثير الهوية والسياسة والإعلام.

حادثة قد تسمى إرهابًا.
وأخرى جريمةً.
وثالثة تطرفًا.
ورابعة يُبحث فيها سريعًا عن المرض النفسي أو الدوافع الشخصية.

فتبرز أمامنا مسألة أكبر من الكلمة نفسها:

متى يصبح العنف إرهابًا؟ وهل يتغير الاسم أحيانًا بتغير اسم الفاعل ودينه وهويته؟

من أين جاءت كلمة الإرهاب؟

في العربية، تعود كلمة الإرهاب إلى الجذر «ر هـ ب»، الذي يدور حول الخوف والرهبة والخشية.

ومن هذا الأصل جاء قوله تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
[الأنفال: 60].

لكن من الخطأ أن نأخذ كلمة ﴿تُرْهِبُونَ﴾ في الآية ونضع مكانها مباشرة المعنى السياسي والقانوني الحديث لكلمة terrorism.

فالآية تتحدث في سياق إعداد القوة والردع؛ أي امتلاك القوة التي تمنع العدو من الاعتداء، وليس في جعل قتل الأبرياء وإشاعة الرعب بينهم منهجًا.

وهذا فرق جوهري:

فالردع شيء، وإرهاب الأبرياء شيء آخر.

أما الكلمة الإنجليزية terrorism، فقد دخلت الاستخدام السياسي الحديث في سياق الثورة الفرنسية و«عهد الإرهاب» في أواخر القرن الثامن عشر؛ ويؤرخ لها في الإنجليزية منذ تسعينيات ذلك القرن، وكانت في بدايتها مرتبطة باستخدام الترهيب والعنف في سياق السلطة الثورية، ثم توسع معناها تاريخيًا ليشير إلى الاستخدام المنظم للعنف أو التهديد به لتحقيق أغراض سياسية أو أيديولوجية.

وهنا مفارقة تاريخية مهمة:

المصطلح الحديث لم يولد من الإسلام، ولا من العرب، ولا من الشرق الأوسط أصلًا.

وحتى العالم لم يتفق تمامًا على تعريفه

على الرغم من كثرة استخدام كلمة «الإرهاب»، لا يوجد حتى اليوم تعريف قانوني عالمي واحد متفق عليه للإرهاب في القانون الدولي.

ويشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى هذا الخلاف، مع وجود اتفاقات وقرارات دولية تجرّم أفعالًا إرهابية محددة. ومن الصيغ الأممية المهمة وصف الأعمال المقصود بها إحداث حالة من الرعب بين عامة الناس لتحقيق أغراض سياسية بأنها أعمال لا يمكن تبريرها، أياً كانت الذرائع السياسية أو الفلسفية أو الأيديولوجية أو العرقية أو الدينية المستخدمة لتبريرها.

وهذه العبارة الأخيرة مهمة جدًا:

أيًّا كانت الذريعة.

أي إن هوية الفاعل لا ينبغي أن تغير حقيقة الفعل.

متى أصبح المسلم مرادفًا للإرهابي؟

لا يمكن إنكار أن العالم، ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تلاها من «الحرب على الإرهاب»، عاش مرحلة أصبح فيها الإسلام والمسلمون حاضرَين بقوة في الخطاب الإعلامي المرتبط بالإرهاب.

وهنا يجب أن نكون دقيقين.

لا نقول إن كل إعلام غربي متحيز.

ولا نقول إن كل جريمة يرتكبها غير المسلم لا تسمى إرهابًا.

فهذه عبارات مطلقة لا تصمد أمام التحقيق.

لكن يمكننا أن نقول شيئًا أخطر، لأنه مدعوم بالبحث العلمي:

إن هوية مرتكب الهجوم أثرت في بعض أنماط التغطية الإعلامية.

ففي دراسة أكاديمية تناولت التغطية الصحفية للهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة بين عامي 2006 و2015، وجد الباحثون – حتى بعد مراعاة عوامل مثل عدد القتلى والانتماء إلى جماعة – أن احتمال ورود وصف الإرهاب في المقال الصحفي كان قرابة خمسة أضعاف عندما كان مرتكب الهجوم مسلمًا مقارنة بمرتكب غير مسلم.

وهذه ليست مجرد مشاعر لدى المسلمين.

إنها نتيجة بحثية قابلة للنقاش والقياس.

حتى حجم التغطية اختلف

وتأتي دراسة أخرى لتضيف شيئًا لافتًا.

فقد حللت الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها، 2006–2015، ووجدت أن الهجمات التي ارتكبها مسلمون حصلت، في المتوسط، على تغطية إعلامية أكثر بنحو 357% من الهجمات الأخرى، بعد التحكم في عدد من العوامل المتعلقة بالحادثة.

وهنا علينا أن نتوقف.
لأن المشاهد العادي لا يقرأ قواعد البيانات.
إنه يرى ما تعرضه الشاشة أمامه.
فإذا شاهد عشرات التقارير عن إرهابي مسلم، ثم مرت حوادث أخرى مرورًا أقل كثافة، فقد يبدأ عقله – من دون أن يشعر – في بناء علاقة بين كلمتين:

مسلم = إرهابي.
وهنا لا تعود المشكلة في وصف مجرم بعينه.
بل في انتقال الجريمة من الفرد إلى الهوية.
المسلم ليس متهمًا حتى يثبت العكس
إذا ارتكب مسلم جريمة إرهابية، فهو مسؤول عن جريمته.

لا ندافع عنه.

ولا نبرر فعله.

ولا نقول إن دينه يعفيه من المسؤولية.

بل إن قتل الأبرياء من أعظم الجرائم.

قال الله تعالى:

﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾
[المائدة: 32].

لكن ما نرفضه هو أن ينتقل الاتهام من الجاني إلى أكثر من ملياري مسلم في أنحاء الأرض.

فحين يقتل مجرم مسلم، لا ينبغي أن يصبح الإسلام كله في قفص الاتهام.

كما أننا لا نحاكم المسيحية كلها عندما يرتكب مسيحي جريمة، ولا نحاكم شعبًا كاملًا بسبب قاتل خرج منه.

الجريمة شخصية، ولا يرث الأبرياء ذنب المجرم لأنهم يشتركون معه في الدين أو الجنسية أو اللون.
الكلمات ليست بريئة دائمًا
تخيل حادثتين متشابهتين في حجم العنف والدافع.
في الأولى تتصدر الشاشات كلمة:

TERRORIST
وفي الثانية:
GUNMAN
أو:
ATTACKER
أو مجرد:
SUSPECT
قد تكون هناك أسباب قانونية وصحفية مشروعة لاختلاف التوصيف في بعض الحالات، ولذلك لا يصح أن نحكم على كل واقعة من العنوان وحده.

لكن عندما يصبح الاختلاف نمطًا متكررًا مرتبطًا بهوية الفاعل، هنا يحق لنا أن نسأل.

وهذا ما يجعل الدراسات السابقة مهمة؛ فهي تنقل القضية من الانتقاء بين أمثلة منفردة إلى تحليل مجموعة كبيرة من الحوادث والتغطيات.

فالكلمة التي يختارها الإعلام ليست مجرد حروف.

إنها تصنع إطارًا يرى الناس الحادثة من خلاله.

ولكن هل الإرهاب حكر على الأفراد والجماعات؟

وهنا ندخل المنطقة الأصعب.

ماذا عن دولة تستخدم القوة بطريقة غير مشروعة ضد المدنيين؟

ماذا عن قصف أو تعذيب أو تهجير أو ترهيب جماعي؟

هل قوة الدولة تجعل معاناة الضحايا أقل قيمة؟

هنا يجب التفريق بين الموقف الأخلاقي والتوصيف القانوني.

فقانونيًا، مفهوم «إرهاب الدولة» موضع خلاف ولا يوجد تعريف عالمي موحد للإرهاب يشمل جميع هذه الصور؛ كما أن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان يملكان أوصافًا قانونية أخرى لأفعال الدول، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في الحالات التي تتحقق فيها شروطها.

أما أخلاقيًا، فلا ينبغي أن تصبح قوة الفاعل رخصة لتجاهل الضحية.

فالمدني المذعور لا يصبح أقل رعبًا لأن من أخافه يرتدي زي دولة بدل زي جماعة.

ولا نرد الظلم بظلم آخر

وهنا أرى أن عدالة المقال تقتضي منا وقفة.

إذا كنا نرفض أن يُتهم المسلمون جميعًا بجرائم جماعات متطرفة، فلا يجوز لنا في المقابل أن نقول:

الأمريكيون إرهابيون.
أو:
الغربيون إرهابيون.

لأننا عندها نكون قد ارتكبنا الخطأ نفسه الذي نعترض عليه.

هناك سياسات لدول يجوز نقدها بقوة.

وهناك حروب وقرارات وأفعال يمكن محاسبتها قانونيًا وأخلاقيًا.

وهناك إعلام يمكن كشف تحيزه بالدليل.

لكن المواطن العادي لا يحمل ذنب حكومته لمجرد جنسيته.

والقرآن وضع لنا معيارًا أرفع من منطق الانتقام:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[المائدة: 8].

أي حتى مع من نختلف معه…

لا يسقط العدل.

الإسلام لا يحتاج أن ندافع عنه بالكذب

أقوى دفاع عن الإسلام ليس إنكار جرائم ارتكبها أناس ينتسبون إليه.

بل أن نقول:

نعم، حدثت.

ونعم، مرتكبوها مجرمون إذا ثبتت جرائمهم.

ونحن نرفضهم لأن ديننا لا يعطينا حق قتل الأبرياء.

ثم نقول للعالم بالقدر نفسه من الوضوح:

طبّقوا المعيار نفسه على الجميع.

لا تجعلوا دين القاتل جزءًا من الجريمة عندما يكون مسلمًا، ثم تجعلوا دينه تفصيلًا غير مهم عندما يكون من دين آخر.

لا تجعلوا هوية بعض المجرمين هويةً لأمة كاملة.

ولا تجعلوا الإرهاب ابنًا للإسلام.

فالإرهاب سلوك ومنهج عنيف، وليس عقيدة يولد بها الإنسان لأنه يحمل اسمًا عربيًا أو يصلي في مسجد.

فمَن هو الإرهابي إذن؟

ليس المسلم لأنه مسلم.

ولا المسيحي لأنه مسيحي.

ولا اليهودي لأنه يهودي.

ولا الغربي لأنه غربي.

ولا الشرقي لأنه شرقي.

ولا يكفي أن يخيف الإنسان عدوه حتى نضع عليه المصطلح القانوني والسياسي الحديث للإرهاب.

بل ينبغي أن ننظر إلى الفعل، والقصد، والسياق، والقانون.

والأمم المتحدة نفسها تقر بأن تعريف الإرهاب ظل موضع خلاف دولي، لكنها تشير في أدبياتها التعليمية إلى فهم واسع له باعتباره استخدامًا أو تهديدًا بالعنف لنشر الخوف وتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية.

وهنا يصبح السؤال الصحيح ليس:

ما دينه؟

بل:

ماذا فعل؟ ولماذا فعل؟ ومن استهدف؟

حين تتغير التسمية بتغيّر هوية الفاعل

أخطر ما يمكن أن يحدث للعدالة أن يكون لدينا قاموسان للجريمة:

قاموس لأصدقائنا…

وقاموس لأعدائنا.

أن يكون قتل الأبرياء «إرهابًا» عندما يرتكبه من نكره، ثم نبحث له عن اسم ألطف عندما يرتكبه من نشعر أنه يشبهنا.

فالضحية لا تحتاج منا إلى قاموس.

تحتاج إلى عدالة.

والمسلمون لا يطلبون أن تكون لهم حصانة من النقد.

ولا أن تُخفى جرائم من يرتكب الجرائم باسمهم.

إنما يحق لهم أن يرفضوا أن يحمل ملياران من البشر جريمة فرد أو جماعة.

وأن يرفضوا الصورة التي تجعل كلمة «مسلم» تمهيدًا تلقائيًا لكلمة «إرهابي».

وأن يطالبوا الإعلام والسياسة والمجتمع بمعيار واحد.

فإن كان الفعل إرهابًا…

فليكن إرهابًا أيًّا كان فاعله.

وإن كان جريمة…

فلا تجعلوا دين المجرم جزءًا من الحكم على أتباع دينه جميعًا.

ولعل أعدل ما نختم به ليس دفاعًا عن الشرق ضد الغرب، ولا عن المسلمين ضد غير المسلمين، وإنما دفاعًا عن الإنسان ضد ازدواجية المعايير:

لا تسألوا عن اسم القاتل قبل أن تنظروا إلى فعله.

ولا تجعلوا هوية الضحية تحدد مقدار حزنكم، ولا هوية الجاني تحدد اسم جريمته.

فالعدل لا يحتاج أن يعرف اسمك قبل أن ينصفك.

والجريمة لا تتطهر بتغيير اسم مرتكبها.

والإرهاب لا دين له، ولا لون، ولا جنسية؛ وإنما الذي ينبغي أن يكون له معيار واحد… هو العدل.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24