بين الياسمين وظلال الغياب… الأديبة راضية رحمة محمد الطرابلسي في مجلس الحكواتي

حاورها الحكواتي: فايل المطاعني
مقدمة الحكواتي
ليس كل من يكتب يملك القدرة على أن يجعل القارئ يعيش النص، فهناك من يروي الحكاية، وهناك من يمنحها روحًا تنبض بين السطور. والكاتبة التونسية راضية ريم محمد الطرابلسي من ذلك الصنف الذي يكتب بإحساس يسبق الكلمات، فتولد الصورة قبل العبارة، ويولد المعنى قبل الحرف.
من تونس الخضراء، حيث يمتزج عبق الياسمين بذاكرة المكان، جاءت تحمل مشروعًا أدبيًا يؤمن بأن الكلمة ليست وسيلةً للكتابة فحسب، بل رسالة للإنسان. كتبت الرواية والقصة والشعر، ومنحت كل جنس أدبي شيئًا من روحها، حتى بدت نصوصها امتدادًا لسيرتها، لا انفصالًا عنها.
في نصها «قهوة بنكهة الياسمين» استطاعت أن تجعل من زهرة سقطت في فنجان قهوة حكاية عن انتصار الجمال على قسوة الحياة، بينما ارتقت في قصيدتها «كان يحبني» بالحب إلى منزلة الوفاء والحنين، ثم تركتنا أمام وجع الفقد، لنكتشف أن الغياب هو الامتحان الأصعب لكل قلب أحب بصدق.
وفي مجلس الحكواتي، لا نبحث عن شهرة الأسماء بقدر ما نبحث عن الأثر الذي تتركه الكلمة في وجدان الإنسان، لذلك يسعدنا أن نستضيف اليوم الأديبة راضية ريم محمد الطرابلسي، لنقترب من رحلتها مع الأدب، ومن الإنسان الذي يسكن نصوصها، ومن الأحلام التي ما زالت تنتظر ميلادها.

س1: متى أدركتِ أن الكتابة لم تعد مجرد هواية، بل أصبحت جزءًا من هويتكِ ورسالتكِ في الحياة؟
ج1:
لم تكن الكتابة بالنسبة إليّ قرارًا اتخذته في لحظة عابرة، بل كانت نداءً داخليًا رافقني منذ سنواتي الأولى. كنت أجد في الحرف مساحة أقول فيها ما تعجز عنه اللغة اليومية، وأجد في الورق صديقًا يصغي إليّ دون أن يحاكم مشاعري أو يقيّد أفكاري.
ومع مرور الزمن، أدركت أن الكتابة تجاوزت كونها هواية أو شغفًا شخصيًا، لتصبح جزءًا أصيلًا من هويتي، ووسيلتي للتواصل مع الإنسان والاقتراب من قضاياه ومشاعره. فالكلمة بالنسبة لي مسؤولية قبل أن تكون جمالًا، ورسالة قبل أن تكون حضورًا.
وحين لمست أن نصوصي تصل إلى قلوب القراء، وأن بعضهم يجد فيها شيئًا من ذاته وذكرياته وأحلامه، أيقنت أن الحرف اختارني كما اخترته، وأن الكتابة أصبحت الطريق الذي أحمل فيه صوتي وإحساسي ورؤيتي للحياة.

س2: نشأتِ في تونس الخضراء، بكل ما تحمله من إرث ثقافي وأدبي. إلى أي مدى انعكس المكان على لغتكِ، وصوركِ الأدبية، ورؤيتكِ للإنسان والحياة؟
ج2:
تونس بالنسبة إليّ ليست مجرد وطن ولدت فيه، بل ذاكرة حيّة تسكنني وترافق قلمي أينما ذهبت. فهي، رغم صغر مساحتها، غنية بتاريخها وحضارتها، وقد منحتني ثراءً من الصور والروائح والألوان؛ من عبق الياسمين، إلى زرقة البحر، إلى دفء الأزقة القديمة وحكايات الناس البسطاء.
وقد انعكس هذا المكان في كتاباتي من خلال اهتمامي بالإنسان قبل كل شيء، فالمدن لا تُكتب بحجارتها وحدها، بل بأرواح أهلها، بأفراحهم وأحزانهم وأحلامهم. لذلك يحضر الحنين في نصوصي كما يحضر الجمال والبحث عن المعنى وسط تفاصيل الحياة اليومية.
لقد علمتني تونس أن الجمال قد يولد من أبسط الأشياء، وأن الحكاية قد تختبئ في فنجان قهوة، أو زهرة ياسمين، أو نظرة عابرة تحمل ألف معنى. لذلك لم يكن المكان في كتاباتي مجرد خلفية للأحداث، بل روحًا تتنفس داخل النص وتمنحه هويته الخاصة.

س3: تكتبين الرواية والقصة والشعر… فأين تجد راضية الطرابلسي نفسها أكثر؟ وهل يختار الكاتب جنسه الأدبي، أم أن النص هو الذي يختار كاتبه؟
ج3:
أجد نفسي في كل جنس أدبي أكتبه، لأن لكل لون أدبي نبضه الخاص ومساحته التي تمنحني طريقة مختلفة للتعبير. فالشعر هو البوح الأقرب إلى القلب، تختصر فيه اللحظة في صورة وإحساس، بينما تمنحني القصة فرصة الغوص في تفاصيل الإنسان وتحولاته، أما الرواية فهي الفضاء الأرحب لبناء العوالم والشخصيات واستكشاف خفايا النفس البشرية.
ومع ذلك، أؤمن أن النص هو الذي يختار كاتبه أكثر مما يختار الكاتب نصه. فهناك فكرة تأتي محمّلة بإيقاع شعري لا تقبل إلا أن تكون قصيدة، وهناك حكاية تتسع شيئًا فشيئًا، حتى تطالب بمساحة أكبر فتولد رواية أو قصة.
وفي النهاية تبقى الغاية واحدة، مهما اختلف الجنس الأدبي، وهي أن تصل الكلمة صادقة إلى القارئ، وأن تترك أثرًا حيًا في وجدانه وفكره.

س4: في نصكِ «قهوة بنكهة الياسمين» جعلتِ من مشهد بسيط حكاية كاملة. كيف تولد لديكِ الفكرة؟ وهل تؤمنين أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الأدب الكبير؟
ج4:
غالبًا ما تولد الفكرة الأدبية من لحظة عابرة لا ينتبه إليها كثيرون، فالأدب لا يصنعه الحدث الكبير وحده، بل قد تبدأ حكايته من تفصيل صغير يحمل في داخله عالمًا كاملًا من الدلالات.
في «قهوة بنكهة الياسمين» انطلقت من ذلك التداخل الجميل بين رائحة القهوة وعبق الياسمين، لكنه لم يكن مجرد مشهد عابر، بل مدخلًا للتأمل في الذاكرة والإنسان، وفي قدرة الروح على تحويل الأشياء البسيطة إلى لحظات استثنائية.
وأؤمن أن التفاصيل الصغيرة هي روح الأدب، لأن العين التي ترى جمال الأشياء البسيطة تستطيع أن تكتشف حكايات لا تظهر من النظرة الأولى. ففنجان قهوة، أو زهرة، أو كلمة عابرة، قد تكون بوابة لعالم كامل من المشاعر والذكريات.
فالكاتب لا يضيف الحياة إلى الأشياء، وإنما يكشف الحياة المختبئة فيها، ويمنح تلك التفاصيل صوتًا ومعنى، حتى يجد القارئ نفسه داخل المشهد، لا مجرد متفرج عليه.

س5: وفي قصيدتكِ «كان يحبني» بدا الحب ممتلئًا بالصور، ثم انتهى بوجع الفقد. هل تكتب راضية الطرابلسي من الذاكرة، أم من الخيال، أم من منطقة تتداخل فيها الحقيقة مع الإحساس؟
ج5:
أكتب من مساحة تلتقي فيها الذاكرة بالحقيقة والإحساس، فبعض النصوص لا يولد من الخيال وحده، بل من تجارب إنسانية عميقة تترك أثرها في الروح، وتظل قادرة على أن تنبض كلما عادت إليها الذاكرة.
وقصيدتي «كان يحبني» ابنة تجربة فقد حقيقية، كتبتها بعد رحيل زوجي، فكانت بوحًا صادقًا عن الغياب الذي ترك فراغًا كبيرًا في حياتي، وعن حب لم ينتهِ برحيل صاحبه، بل تحول إلى ذاكرة نابضة تسكن القلب والكلمات.
لم أرد لهذه القصيدة أن تكون مجرد رثاء، بل أردتها رسالة وفاء لحياة جميلة عشناها معًا، واستحضارًا لكل ما تركه الحب من أثر في الروح. فالكتابة، في كثير من الأحيان، تصبح وسيلتنا لمواصلة الحوار مع من فقدناهم، وتحويل الألم إلى جمال، والغياب إلى حضور لا يمحوه الزمن.
وهكذا أجد أن الحقيقة حين تمتزج بالإحساس تولد نصًا أكثر صدقًا، لأن القارئ يشعر بما كُتب قبل أن يقرأه، ويصل إلى نبض التجربة قبل أن يصل إلى كلماتها.

س6:شاركتِ في العديد من الملتقيات الثقافية داخل تونس وخارجها، ونلتِ عددًا من التكريمات. ماذا أضافت لكِ هذه التجارب على المستويين الإنساني والإبداعي؟
ج6:
كانت هذه المشاركات محطاتٍ مضيئة في رحلتي الأدبية، لأنها لم تقتصر على حضور ملتقيات أو مناسبات ثقافية، بل كانت فرصة حقيقية للقاء كتّاب ومبدعين من بيئات وتجارب مختلفة، وهو ما أتاح لي أن أتعرف إلى رؤى جديدة، وأن أفتح لنفسي نوافذ أوسع على الإنسان والثقافة.
وأؤمن بأن كل لقاء أدبي هو حوار بين الأرواح قبل أن يكون تبادلًا للنصوص، فكل تجربة أعيشها، وكل شخصية ألتقي بها، تترك في داخلي أثرًا جديدًا، وتمنحني درسًا مختلفًا في الحياة والإبداع.
أما التكريمات، فأعتز بها كثيرًا، لأنها تمثل تقديرًا للجهد الذي بذله القلم عبر سنوات من العمل، لكنها في الوقت نفسه تجعلني أشعر بمسؤولية أكبر تجاه ما أكتبه، وتدفعني إلى مواصلة العطاء، وتقديم نصوص تليق بثقة القراء وبالمشهد الثقافي.
لقد علمتني هذه الرحلة أن الأدب لغة إنسانية لا تعترف بالحدود، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر المسافات، لتصل إلى القلوب أينما كانت، ولذلك أواصل الكتابة بإيمان أكبر بأن لكل نص رسالة تستحق أن تُروى.

س7:تستعدين لإصدار ديوانكِ الشعري الأول، وقد أنهيتِ روايةً تنتظر النشر. ماذا ينتظر القارئ من راضية رحمة محمد الطرابلسي في هذين العملين؟
ج7:
أنتظر بشغف أن يرى هذان العملان النور، لأن كلاً منهما يحمل جزءًا من تجربتي الإنسانية، ومن رؤيتي للحياة والإنسان.
فديواني الشعري الأول هو رحلة وجدانية تمتد بين الحب والحنين والفقد والأمل، حاولت من خلاله أن أترجم ما تختزنه الروح من مشاعر وذكريات، وأن أحول الإحساس الإنساني إلى لغة قادرة على ملامسة القلب.
أما الرواية، فهي عالم مختلف، أتيح لي فيه أن أغوص في تفاصيل النفس البشرية، وأن أقترب من الإنسان في صراعاته، وأحلامه، وانكساراته، وفي قدرته على النهوض من جديد رغم ما يواجهه من تحديات الحياة.
وأتمنى أن يجد القارئ في العملين صدق التجربة قبل جمال العبارة، وأن يشعر بأن هذه الكلمات لم تُكتب لتُقرأ فقط، بل لتُعاش وتترك أثرًا في الذاكرة والوجدان، لأن غاية الكاتب الحقيقية ليست ملء الصفحات، وإنما أن يترك نافذة من نور في روح كل قارئ.

س8:برأيكِ، ما الذي يحتاجه الأدب العربي اليوم أكثر: أقلامًا جديدة، أم قراءً أكثر، أم منصاتٍ ثقافية تؤمن بالمبدع وتمنحه مساحةً تليق بإبداعه؟
ج8:
أعتقد أن الأدب العربي يحتاج إلى هذه العناصر جميعها، فهي حلقات متكاملة لا يمكن أن تستغني إحداها عن الأخرى. فلا ازدهار للإبداع من دون أقلام جديدة تحمل رؤى مختلفة، ولا قيمة للنص إذا لم يجد قارئًا يمنحه الحياة، كما أن المبدع يحتاج إلى منصات ثقافية جادة تؤمن برسالته وتمنحه مساحة حقيقية للحضور.
فالقلم المبدع يحتاج إلى بيئة تشجعه، والقارئ يحتاج إلى ثقافة تقرّبه من الكتاب، والمنابر الثقافية هي الجسر الذي يصل بين الطرفين، ويصنع هذا التفاعل الجميل بين الكاتب والمتلقي.
كما أننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفعل القراءة، لأن الكاتب لا ينمو بعيدًا عن مجتمعه، وإنما يتغذى من وعي القارئ، ومن الحوار الذي يصنعه النص معه.
وفي ظل عالم رقمي سريع الإيقاع، أرى أن المنصات الثقافية أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها قادرة على اكتشاف الأصوات الجديدة، ونشر الجمال، وصناعة حراك أدبي حقيقي، تكون فيه الأولوية لقيمة النص وصدقه، بعيدًا عن المجاملات والأضواء العابرة.

س9:كثيرًا ما تحمل نصوصكِ لغةً شفافة وصورًا مفعمة بالأمل، حتى في لحظات الحزن. هل ترين أن الأدب رسالة لبث الأمل قبل أن يكون وسيلة للتعبير؟
ج9:
نعم، أؤمن بأن الأدب رسالة إنسانية قبل أن يكون مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر. فالكاتب لا يكتب ليصف الألم فحسب، بل ليمنح القارئ نافذة يرى من خلالها إمكانية النهوض بعد الانكسار، وليذكره بأن النور قادر دائمًا على أن يولد من قلب العتمة.
ولا شك أن الحزن جزء أصيل من التجربة الإنسانية، ولا يمكن تجاهله أو إنكاره، لكن الأهم هو الكيفية التي نتعامل بها معه. فالكلمة الصادقة تستطيع أن تحول الوجع إلى معنى، والدمعة إلى حكمة، والذكرى إلى قوة تدفع الإنسان إلى مواصلة الطريق.
ولهذا أحاول دائمًا أن أترك في نصوصي مساحة للأمل، حتى عندما أكتب عن الفقد أو الغياب، لأنني أؤمن أن أجمل ما يقدمه الأدب للإنسان هو أن يهمس له بأن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت تستحق أن تُعاش.
فالحرف الصادق لا يكتفي بوصف الجراح، بل يسعى إلى تضميدها، ويمنح القارئ ما يعينه على الاستمرار بإيمان أكبر بالحياة.

س10:لكل مبدعٍ فلسفة خاصة يقود بها قلمه. فما المبدأ الذي تحرصين على ألا يفارق كتاباتكِ مهما اختلفت الموضوعات؟
ج10:
إذا كان هناك مبدأ واحد لا يفارق قلمي، فهو الصدق؛ صدق الإحساس، وصدق الكلمة، وصدق الاقتراب من الإنسان. فأنا أؤمن أن النص، مهما بلغت جمالياته، لا يستطيع أن يصل إلى القلب إذا لم يكن وراءه شعور حقيقي ينبض بالحياة.
ولهذا أحرص دائمًا أن تكون كتابتي مساحة للإنسان بكل ما يحمله من مشاعر وأسئلة وأحلام وانكسارات، وأن تبقى الكلمة محتفظة بقيمتها ورسالتها، لا أن تكون مجرد زخرف لغوي.
كما أؤمن بأن الكاتب مسؤول أمام حرفه، لأن الكلمة أمانة، وقد تكون نافذة للتأمل، أو جسرًا للأمل، أو عزاءً لقلب يبحث عن معنى وسط زحام الحياة.
لذلك أحاول أن أكتب ما أشعر به بصدق، وأن أترك في كل نص أثرًا إنسانيًا يبقى بعد انتهاء القراءة، لأن الكتابة بالنسبة إليّ ليست بحثًا عن حضور أو شهرة، وإنما هي بحث دائم عن أثر جميل يبقى في ذاكرة من يقرأ.

س11: كيف وجدتِ تجربتكِ في ضيافة مجلس الحكواتي؟ وما الذي يمكن أن تضيفه مثل هذه المنصات الثقافية للمشهد الأدبي العربي؟
ج11:
كانت تجربتي في ضيافة مجلس الحكواتي تجربةً جميلة ومميزة، لأنها لم تكن مجرد حوار عن الكتابة، بل كانت مساحةً رحبة للبوح، والاقتراب من الإنسان الذي يقف خلف النص. أسعدني أن أجد من يصغي إلى تجربتي الأدبية، وإلى رؤيتي للحرف، وما أحمله من إيمان عميق بدور الكلمة في بناء جسور التواصل بين الأرواح.
وأقدّر كثيرًا هذه المنصات الثقافية التي تمنح المبدعين فرصة للتعريف بمساراتهم وتجاربهم، وتفتح نوافذ للحوار الصادق بين الكاتب والقارئ. ففي زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم فيه الأصوات، تبقى مثل هذه المجالس حاضنةً للجمال، تحفظ للكلمة مكانتها، وتجمع الأقلام على محبة الأدب واحترام رسالته.
ومجلس الحكواتي، بما يقدمه من اهتمام بالمبدعين وحرصٍ على تقديمهم بصورة تليق بعطائهم، يؤكد أن الحكاية لا تنتهي عند حدود النص، بل تستمر بالحوار، واللقاء، والتفاعل، وهذا ما يجعل الثقافة حيّة ومتجددة، وقادرة على الوصول إلى القلوب قبل العقول.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير للأستاذ فايل المطاعني الحكواتي، ولـمجلس الحكواتي، على هذا الفضاء الثقافي الراقي الذي يحتفي بالإنسان قبل القلم، ويمنح الكلمة الصادقة المكانة التي تستحقها.

س12: كيف تنظرين إلى تجربة الحكواتي فايل المطاعني في إدارة الحوارات الأدبية، وما الذي يميزها من وجهة نظرك؟
ج12:
أرى أن تجربة الحكواتي فايل المطاعني تمثل تجربةً ثقافيةً مميزة، لأنها لا تكتفي بتقديم أسماء المبدعين، بل تسعى إلى الاقتراب من الإنسان الذي يقف خلف النص والإبداع. فالحوار الحقيقي ليس مجرد مجموعة من الأسئلة والأجوبة، بل رحلة لاكتشاف الأفكار، واستحضار الذكريات، والغوص في الرؤى التي شكّلت تجربة الكاتب ومسيرته.
وما يميز هذه التجربة هو الحرص الواضح على منح المبدع مساحةً رحبة للتعبير بحرية وصدق، وتقديمه للقارئ بصورة أكثر قربًا وإنسانية. وقد استطاع الحكواتي أن يجعل من الحوار لقاءً دافئًا بين الأرواح، وأن يحوّل الأسئلة إلى مفاتيح تفتح أبواب الذاكرة والإبداع، فيشعر الضيف بأنه يحاور صديقًا يشاركه شغفه بالكلمة، لا مجرد محاور يطرح الأسئلة.
وأثمّن هذا الجهد الثقافي الذي يبذله في خدمة الأدب والمبدعين، لأن الثقافة تحتاج دائمًا إلى من يؤمن برسالتها، ويمنحها الوقت والاهتمام والإخلاص. فكل منصة تُنصت للكلمة الصادقة، وتحتفي بأصحابها، وتسهم في بناء جسور التواصل بين المبدعين والقراء، تمثل إضافةً حقيقيةً للمشهد الثقافي العربي، وتجعل للأدب حضوره وتأثيره في وجدان المجتمع.

س 13: يلفت انتباه القارئ انك توقعين بعض نصوصك باسم راضية رحمة محمد في لفتة إنسانية جميلة تحمل اسمي ابنيك محمد ورحمة . مالحكاية التي تقف خلف هذا التوقيع ؟ وماذا يعني لك أن يرافق اسماهما اسمك في كل ما تكتبين ؟ وهل كانت الأمومة مصدرآ آخر لإلهام قلمك.
ج13:
اختياري لتوقيع «راضية /رحمة محمد rahma mohamed» هو تعبير عن مكانة عميقة يحتلها ابناي في قلبي وحياتي. هما ليسا مجرد اسمين يرافقان اسمي، بل هما جزء من حكايتي وامتدادي الإنساني، لذلك أحببت أن أحملهما معي في رحلتي مع الحرف، وكأنني أهديهما مساحة من هذا العالم الذي أصنعه بالكلمات.

الأمومة بالنسبة لي كانت مدرسة عظيمة في الإحساس والعطاء والصبر، ومنها تعلمت الكثير عن الحب غير المشروط، وعن جمال التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير. ولا شك أن مشاعر الأمومة تسللت إلى كتاباتي، فمنحتها دفئًا خاصًا، وجعلتني أكثر قربًا من مشاعر الإنسان ووجعه وأحلامه.
حين يرافق اسماهما نصوصي أشعر أنني لا أكتب وحدي، بل أحمل معي جزءًا من روحي وذكرياتي وأجمل ما منحتني الحياة. فالأسماء أحيانًا ليست حروفًا فقط، بل حكايات تختصر عمرًا كاملًا من المحبة والانتماء.

س14: وفي الختام ما الكلمة التي تودين أن توجهيها إلى قراء ومتابعي مجلس الحكواتي ،و إلى كل من يحمل حلم الكتابة ويؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تضئ العقول ،وتلامس القلوب ،وتصنع أثرا يبقي ؟
ج14:
أوجّه كلمتي إلى كل قارئ يمنح الحرف فرصة ليحيا، وإلى كل كاتب يحمل في داخله حلمًا بأن يصل صوته إلى الآخرين: لا تستهينوا بقوة الكلمة، فالكلمة الصادقة قد تكون نافذة أمل لقلبٍ أنهكه التعب، وقد تكون فكرةً تغيّر نظرة إنسان إلى الحياة، أو نورًا يبدد عتمة طريقه.
ولكل من اختار الكتابة رسالةً قبل أن تكون هواية، أقول: اكتبوا بصدق، واكتبوا للإنسان، ولا تجعلوا الشهرة غايتكم الأولى، بل اجعلوا الأثر هو الوجهة. فالنص الحقيقي لا يُقاس بعدد التصفيق، وإنما بما يتركه من أثرٍ جميل، وفكرةٍ نبيلة، وذكرى تبقى في وجدان القارئ.
وأتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى مجلس الحكواتي، وإلى الحكواتي الأستاذ فايل المطاعني، وإلى كل القائمين على هذا الصرح الثقافي الذي يؤمن بأن الأدب جسرٌ للمحبة، ومساحةٌ للحوار، ومنبرٌ يجمع المبدعين من مختلف أنحاء الوطن العربي تحت راية الكلمة الصادقة.
كما أشكر كل قارئ رافق رحلتي مع الحرف، وكل من وجد في نصوصي شيئًا من نفسه، أو لمحةً من حكايته، أو بصيصًا من الأمل.
وأؤمن دائمًا أن الحرف الصادق لا يموت؛ فقد يغيب الكاتب، وتتبدل الأزمنة، لكن الكلمة الجميلة تظل حيّةً في الذاكرة، شاهدةً على روح صاحبها، وامتدادًا لرسالته. لذلك، فلنجعل أقلامنا دائمًا أصواتًا للخير، ورسلاً للمحبة، ومنابر للجمال والإنسانية.

بهذا تكون إجابة الختام بمستوى يليق بحوار أدبي راقٍ، وتمنح الحوار نهاية مؤثرة تترك أثرًا جميلًا في القارئ.
اليوم حملت إلينا الأديبة راضية رحمة محمد الطرابلسي شيئا من روح تونس الخضراء ومن عبير ياسمينها ،ومن ذلك الحرف الذي يؤمن بأن الأدب ليس كلمات تقرأ، بل حياة تعاش،ورسالة تبقي مابقي الإنسان .
شكرا لك على هذا اللقاء الذي تنقل بين الحنين والجمال ،وبين الحب والفقد ،وبين التجربة والحلم ،نسأل الله أن يري ديوانك الشعري الأول و روايتك القادمة النور ، وان يواصل قلمك رحلته نحو قلوب القراء حاملا رسالته الإنسانية النبيلة

كان معكم مجلس الحكواتي ….حيث للحكاية ذاكرة ،و للكلمة وطن ،وللمبدعين دائما مقعد يليق بهم.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24