بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
“المجرم اليوم ليس ذلك الذي نراه في الأفلام بوجهه المشوه، بل قد يجلس على أعلى المناصب، ويرتدي أفخر الماركات، ويخفي خلف ابتسامته قلبًا خُلق للإجرام.”
– المقدم سالم هلال
الفصل الرابع
احتل خبر وفاة الكابتن عادل سعيد عناوين الصحف الصادرة صباح ذلك اليوم، لما كان يتمتع به من مكانة اجتماعية مرموقة، ولغرابة الطريقة التي وُجد بها ميتًا. فقد سُجلت القضية مبدئيًا على أنها انتحار، وهو أمر هز مجتمعًا محافظًا ومسالمًا، وأوقع عائلته في حرج بالغ، لتبدأ الشائعات والهمسات تتردد في المجالس، وتزيد من معاناتهم.
وفي تلك الأثناء، تلقت سعاد إخطارًا رسميًا من قيادة شرطة صور، يطلب حضورها على وجه السرعة إلى مبنى القيادة.
حاولت أن تعرف سبب الاستدعاء، لكنها لم تحصل على أي إجابة.
التفتت إلى شقيق زوجها، علي سعيد، وقالت بقلق:
سعاد: لماذا استدعوني إلى صور، وليس إلى مسقط؟
ابتسم علي محاولًا تهدئتها وقال:
علي: ربما لأن الحادثة وقعت هناك… سأرافقك.
تنهدت سعاد وهي تحاول التماسك:
سعاد: يا إلهي… من يصدق أن عادل، ذلك الرجل المرح، مات منتحرًا؟
نظر إليها علي باستغراب وقال:
علي: إلى الآن لم يصدر أي تأكيد رسمي بأنه انتحر.
استغرب علي من حديثها، لكنه عزاه إلى شدة حزنها واضطرابها.
★★★★
قيادة شرطة صور
جلس العقيد عبدالله أمام سعاد وعلي سعيد، وقال بصوت هادئ:
العقيد عبدالله: أخت سعاد… نعزيكم في مصابكم، ونسأل الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته. لدينا بعض الأسئلة الروتينية الخاصة بالتحريات، وبعدها يمكنكما المغادرة بإذن الله.
قالت سعاد:
سعاد: أليس بالإمكان أن تُطرح هذه الأسئلة في مسقط؟ فالمسافة بين صور ومسقط طويلة.
أجاب العقيد عبدالله:
العقيد عبدالله: الحادثة وقعت ضمن دائرة اختصاص قيادة شرطة صور، وتحديدًا عند تقاطع صور–قريات، في منطقة طيوي، ولذلك فإن التحقيق يبدأ من هنا.
طرق الباب، ودخل الملازم أحمد صالح بعد أن أُذن له.
الملازم أحمد: السلام عليكم… أنا الملازم أحمد صالح من إدارة التحريات الجنائية، ولدينا بعض الأسئلة.
سعاد: تفضل.
الملازم أحمد: هل كانت لدى زوجك أي سوابق في تعاطي المخدرات أو المواد المحظورة؟
ساد الصمت لثوانٍ، وحاولت سعاد أن تجمع شتات نفسها، ثم قالت:
سعاد: لا… على حد علمي لم يكن يتعاطى شيئًا، ولم ألاحظ عليه أي تصرف غير طبيعي.
دوّن الملازم ملاحظته، ثم تابع:
الملازم أحمد: متى كانت آخر مرة رأيتِ فيها زوجك؟
ارتجفت شفتاها، ثم انفجرت بالبكاء.
سعاد: كان من المفترض أن يعود إلى المنزل الساعة السابعة مساء…
ولم تستطع إكمال حديثها، إذ فقدت وعيها وسقطت مغشيًا عليها.
استُدعيت سيارة إسعاف الشرطة، ونُقلت إلى مستشفى صور المركزي وهي في حالة صحية ونفسية حرجة.
وفي تلك اللحظة، تلقى العقيد عبدالله اتصالًا من مكتب مساعد المفتش العام للشرطة، يقضي بنقل ملف القضية بالكامل إلى إدارة التحريات الجنائية بمسقط، لتصبح القضية تحت إشراف العميد حمد الشميسي.
★★★★
قيادة شرطة عُمان السلطانية – مسقط
مكتب مساعد المفتش العام
كان اللواء حاتم يقلب صفحات التقرير الخاص بوفاة الكابتن عادل سعيد، بينما يقف أمامه العميدان سلطان وخميس.
رفع رأسه وسأل:
اللواء حاتم: أين العميد حمد الشميسي؟
العميد خميس: في إجازة، سيدي.
اللواء حاتم: والمقدم سالم هلال؟
العميد سلطان: أيضًا في إجازة.
نظر إليهما باستغراب وقال:
اللواء حاتم: جميعهم في إجازة؟
العميد خميس: نعم، سيدي… بعد انتهاء قضية جريمة حي الصعراء في البريمي الشهر الماضي.
ضرب اللواء حاتم بيده على الطاولة وقال بانفعال:
اللواء حاتم: ممتاز… إذن إدارة التحريات خالية من ضباطها!
ثم أردف:
اللواء حاتم: وأين النقيب محمد الحوسني؟
ساد الصمت.
فصاح بغضب:
اللواء حاتم: حتى هو في إجازة؟! إذن عند من مفاتيح إدارة التحريات؟
ثم هدأ قليلًا وقال بحزم:
اللواء حاتم: أريد جميع ضباط الإدارة غدًا، الساعة السادسة مساءً، في مكتبي.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأضاف:
اللواء حاتم: ولا بأس… بدل أن نلومهم على الإجازة، سنكافئهم بعد إنهاء القضية.
★★★★
الماتا
نظر المقدم سالم هلال إلى هاتفه، فوجد عدة اتصالات فائتة من القيادة، ورسالة جاء فيها:
السلام عليكم، المقدم سالم… الرجاء الحضور غدًا إلى مكتب مساعد المفتش العام للأهمية.
نظر إلى زوجته بطرف عينه، وتمتم مبتسمًا:
سالم: أشم رائحة جريمة… لكن المشكلة الآن، ماذا سنقول لأم راشد؟
ثم ضحك وقال:
سالم: والله لو علمت أننا سنقطع الإجازة ونعود إلى مسقط، فستقيم الدنيا ولن تقعدها.
ثم عاد ينظر إلى الرسالة وقال:
سالم: هذه الرسالة صادرة من مكتب المساعد… يبدو أن الأمر أكبر من مجرد استدعاء عادي.
★★★★
الإسكندرية
رن هاتف العميد حمد الشميسي.
المتصل: سيدي، معك الملازم راشد من مكتب مساعد المفتش العام. نرجو حضوركم غدًا مساءً إلى المكتب للضرورة.
أغلق العميد الهاتف، واتصل فورًا بالمقدم سالم.
العميد حمد: ماذا حدث؟ لماذا استدعانا المساعد؟
المقدم سالم: لا أعلم… تفاجأت بالرسالة، وأنا ما زلت في إجازة.
ضحك العميد حمد وقال:
العميد حمد: وأنا أيضًا في إجازة… ولن أتصل بالنقيب محمد، فأظنه هو الآخر في إجازة!
ثم أردف ضاحكًا:
العميد حمد: أحزم حقائبك، واللقاء في مسقط العامرة. وإن تأخرنا، فربما نجد صورنا على قناة CNN تحت عنوان: “مطلوبون… أحياءً أو أمواتًا!”
فضحك الاثنان، بينما كانا يدركان في أعماقهما أن قضية جديدة بدأت تفتح أبوابها… وأن الحقيقة قد تكون أخطر بكثير مما تشير إليه الأوراق.
يتبع…
هامش:
★ قضية «جريمة في حي الصعراء» إحدى القضايا السابقة ضمن سلسلة «من ملفات العميد حمد الشميسي».












