بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
حين تقف شامخةً عند سفح جبال الحجر، وتطل على سهول الباطنة الخصبة، تشعر وكأنك أمام شاهدٍ حيٍّ على قرونٍ من المجد العُماني. هناك، في قلب ولاية الرستاق، تقف قلعة الرستاق العريقة، لا بوصفها بناءً من الحجارة والصاروج فحسب، بل بوصفها سجلاً مفتوحاً يروي للأجيال قصة وطنٍ صاغ تاريخه بالسيف والعلم والحكمة.
تُعد قلعة الرستاق من أعظم القلاع التاريخية في سلطنة عُمان وأكثرها شهرةً وأهمية، وقد شُيّدت على أنقاض بناءٍ فارسي قديم، ويرجّح عدد من المصادر أن أصولها تعود إلى ما قبل الإسلام بعدة قرون، بينما أُقيمت القلعة بصورتها المعروفة تقريباً في القرن الثالث عشر الميلادي، قبل أن تشهد توسعات وإضافات متعاقبة في عصور الأئمة والسلاطين.
الرستاق.. عاصمة الأئمة
لم تكن الرستاق مجرد ولاية عُمانية جميلة، بل كانت عاصمةً سياسية ودينية لعُمان خلال فترات مهمة من تاريخها، وخصوصاً في عهد دولة اليعاربة التي انطلقت منها حركة التحرير الكبرى ضد الاحتلال البرتغالي في القرن السابع عشر.
ومن بين جدران هذه القلعة صدرت قرارات مصيرية غيّرت مسار التاريخ العُماني، ففيها أقام عدد من الأئمة، ومن أشهرهم الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (١٦٢٤م-١٦٤٩م)، مؤسس دولة اليعاربة، الذي أعاد بناء أجزاء واسعة من القلعة وجعل منها مركزاً للحكم والإدارة. كما شهدت القلعة عهود أئمة آخرين من اليعاربة والبوسعيديين الذين أضافوا إليها أبراجاً وتحصينات جديدة عبر القرون.
حصنٌ صمد في وجه الحروب
شهدت قلعة الرستاق العديد من الصراعات السياسية والعسكرية التي مرت بها عُمان عبر العصور. وقد شكّلت موقعاً دفاعياً بالغ الأهمية بحكم موقعها الاستراتيجي بين الداخل العُماني وساحل الباطنة.
وعلى الرغم من تعاقب الحروب والنزاعات الداخلية والخارجية، بقيت القلعة صامدةً، شاهدةً على معارك توحيد البلاد، وعلى مرحلة مقاومة البرتغاليين، وعلى التحولات السياسية التي شهدتها الدولة العُمانية عبر مئات السنين.
ولم تكن جدرانها السميكة وأبراجها العالية مجرد عناصر معمارية، بل كانت خط الدفاع الأول عن الرستاق وعن الدولة العُمانية في فتراتٍ كثيرة من تاريخها.
أبراج القلعة وحكاية “برج الجن”
تشتهر قلعة الرستاق بأبراجها الأربعة الضخمة، ولكل برجٍ منها قصة وتاريخ مختلف.
ومن أشهرها:
* برج الريح.
* البرج الحديث.
* برج الشياطين.
* برج الأحمر.
ويُعد برج الشياطين – الذي يطلق عليه بعض الأهالي في الروايات الشعبية اسم “برج الجن” – من أكثر أبراج القلعة إثارةً للقصص والأساطير المتوارثة. وقد ارتبط اسمه بحكايات شعبية تناقلتها الأجيال عن قوى غامضة ساعدت في تشييده أو سكنت محيطه، وهي روايات شعبية لا تستند إلى أدلة تاريخية موثقة، لكنها تشكل جزءاً من التراث الشفهي العُماني الذي يضفي على المكان هالةً من الغموض والإثارة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن البرج المعروف رسمياً هو “برج الشياطين” وقد بناه الإمام سيف بن سلطان اليعربي ضمن التحصينات الدفاعية للقلعة.
روعة العمارة الداخلية
تتكون القلعة من طابقين رئيسيين إضافة إلى الطابق الأرضي، وتضم مرافق متكاملة تعكس عبقرية العمارة العُمانية القديمة.
ففي داخلها نجد:
* مساكن للحكام والحراس.
* غرف استقبال للوفود.
* مخازن للأسلحة والذخائر.
* سجوناً وزنازين.
* مسجداً للصلاة.
* آباراً للمياه.
* بوابات دفاعية محصنة.
* ممرات ومرافق خدمية متعددة.
كما يمر بالقرب منها فلج الصائغي الشهير الذي شكّل شرياناً مائياً مهماً للمنطقة عبر التاريخ.
ولاية الرستاق.. مدينة التاريخ والمياه
لا يمكن الحديث عن القلعة دون الحديث عن ولاية الرستاق نفسها، تلك الولاية التي تُعد من أقدم المدن العُمانية وأكثرها ارتباطاً بالتاريخ والحضارة.
وتشتهر الرستاق بعيونها المائية الساخنة مثل:
* عين الكسفة.
* عين الحوتة.
كما تزخر بالحصون والقلاع والأسواق التقليدية والأفلاج التاريخية، إضافة إلى موقعها المميز بين جبال الحجر وسهول الباطنة.
وقد كانت الرستاق عبر قرون طويلة مركزاً للعلم والفقه والقضاء والإدارة، وخرج منها علماء وقادة كان لهم أثر كبير في تاريخ عُمان.
شاهد على هوية عُمان
حين يتجول الزائر بين أروقة قلعة الرستاق، لا يرى حجارةً صامتة، بل يقرأ صفحاتٍ من تاريخ وطنٍ صنع حضارته بإرادة أبنائه. فكل برجٍ فيها يروي قصة، وكل بابٍ يحمل ذكرى، وكل جدارٍ يحفظ صدى خطوات الأئمة والعلماء والفرسان الذين مروا من هنا.
لقد بقيت قلعة الرستاق على مدى قرون رمزاً للعزة والصمود، ومعلماً وطنياً يختصر جانباً مهماً من تاريخ عُمان المجيد، لتظل شامخةً كما كانت دائماً، حارسةً لذاكرة الوطن، وشاهدةً على أمجاد الماضي، وملهِمةً لأجيال المستقبل.















