وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
اختيار الرئيس عبد الفتاح البرهان لمسجد أبو قرون الجمعة بشرق النيل، لم يكن مصادفة ولا توقيت تصريحه بأن “ليس لدينا حلول وسطية ولا رمادية” بالتزامن مع انعقاد مجلس الأمن، بل كانت رسالة سياسية ذكية ، خاطبت الداخل والخارج، وحددت السقوف التي تضعها الخرطوم لأي عملية سلام محتملة. في السطور التالية، نحاول ملامسة بعض الحقائق التي ربما تغيب عن كثيرين، بالنظر الي حجم الضغوط الإقليمية والدولية.
فالعبارة في مضمونها، لم تشكل رفضاً للتفاوض ، وإنما رفضاً لأي تسوية تُبقي على الأزمة تحت مسمى السلام. ولذلك أتبعها بتأكيد أكثر وضوحاً حين قال إن أي حديث عن مفاوضات لا يقوم على تفكيك المليشيا وتسليم سلاحها لن يكون محل قبول. وهنا تحديداً تتجلى نقطة الخلاف الجوهرية بين رؤية الحكومة السودانية، وبين كثير من المقاربات الدولية التي تنظر إلى وقف إطلاق النار باعتباره غاية في ذاته، بينما ينظر السودانيون إليه باعتباره وسيلة لا قيمة لها إذا انتهت بإعادة إنتاج أسباب الحرب.
هذه القراءة تفسر جانباً كبيراً من الحراك السياسي والدبلوماسي الذي شهدته الأيام الأخيرة. فالتصريحات الغربية، وجلسات مجلس الأمن، والعقوبات الأمريكية، والتحركات الأممية، والاجتماعات الإقليمية التي ضمت مصر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة مؤخراً في القاهرة، ليست أحداثاً منفصلة، وإنما مشهد واحد. فكلما اقتربت العمليات العسكرية من إعادة تشكيل ميزان القوة على الأرض، تسارعت التحركات السياسية في محاولة للتأثير في شكل النهاية. وهذه ليست خصوصية سودانية، بل واحدة من قواعد إدارة الصراعات في النظام الدولي، إذ كثيراً ما تبدأ المعركة السياسية الحقيقية عندما تقترب المعركة العسكرية من الحسم.
ومن هنا، يصبح من السهل فهم إصرار بعض العواصم على أن الحرب لا يمكن أن تنتهي بانتصار عسكري. فهذا الخطاب لا يعبر فقط عن حرص على إنهاء القتال، وإنما يعكس أيضاً خشية من أن يؤدي الحسم إلى فرض واقع سياسي جديد يصعب تعديله. ولذلك تتجه الجهود إلى إدارة نتائج الحرب بقدر ما تتجه إلى وقفها، وهي معادلة كثيراً ما تجعل التسويات السياسية أداة لضبط موازين القوى أكثر من كونها مدخلاً لمعالجة جذور الأزمة.
غير أن ما يبدو واضحاً في الحالة السودانية أن الحرب أعادت تشكيل الوعي الوطني، إذ أسهمت الانتهاكات الواسعة بحق المدنيين، من قتل ونهب وتشريد واعتداء على الأرواح والممتلكات، في إعادة تعريف نظرة قطاع واسع من السودانيين إلى طبيعة الصراع.
ولهذا لم يعد النقاش يدور حول كيفية تقاسم السلطة، وإنما حول كيفية ضمان ألا تتكرر التجربة مرة أخرى. ومن هنا، يكتسب حديث البرهان بعداً سياسياً يتجاوز حدود الخطاب العسكري، لأنه يعكس فهماً بأن أي تسوية لا تنهي وجود السلاح خارج سلطة الدولة ستظل، هدنة وليس سلام.
ولعل العبارة الأكثر دلالة في خطابه كانت قوله: “إذا لم تنته الحرب بانتصار الجيش والشعب فإن المليشيا ستعود مجدداً للمشهد وتنكل بأهل السودان من جديد”. فهذه، تعبير عن تصور استراتيجي يرى أن القضية لم تعد مرتبطة بمن يكسب الحرب، وإنما من يضمن ألا تعود أسبابها . وهنا يكمن الفارق بين مقاربة تنظر إلى الحرب بوصفها أزمة قابلة للإدارة، وأخرى تنظر إليها باعتبارها أزمة لا تنتهي إلا بإزالة مسبباتها.
في المقابل، لا يمكن عزل التحركات الإقليمية والدولية عن السياق الجيوسياسي. فالسودان أصبح جزءاً من إعادة ترتيب التوازنات في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بعد التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية. ولذلك فإن مواقف العواصم المختلفة لا تحكمها الاعتبارات الإنسانية وحدها، بل تحكمها أيضاً حسابات النفوذ، وأمن الممرات البحرية، والتوازنات الإقليمية، وشكل النظام الأمني الذي يتشكل في المنطقة.
ومن هنا، فإن ما يبدو للبعض وساطات دبلوماسية، يبدو في نظر آخرين أدوات ضغط لإعادة صياغة مخرجات النزاع بما يتوافق مع مصالح القوى الإقليمية. وهذا هو جوهر الابتزاز السياسي في العلاقات الدولية، ليس بالضرورة عبر التهديد المباشر، وإنما عبر توظيف العقوبات، وآليات الوساطة، والضغوط الدبلوماسية، والخطاب الإنساني، للتأثير في القرار السيادي للدول وهي تخوض معاركها المصيرية.
لكن هذه الضغوط تصطدم اليوم بحقيقة يصعب تجاوزها، وهي أن إرادة السودانيين لم تعد كما كانت في الخامس عشر من أبريل 2023. فالحرب، على قسوتها، لم تُنتج فقط دماراً واسعاً، وإنما أنتجت أيضاً وعياً جديداً لدى قطاعات كبيرة من المجتمع بأن استقرار الدولة لا يمكن أن يقوم على تسويات تؤجل الانفجار المقبل، ولا على حلول تعيد تدوير الأزمة تحت عناوين مختلفة. ولذلك، فإن الحديث عن “اليوم التالي” لم يعد يعني فقط وقف إطلاق النار، وإنما يعني شكل الدولة التي ستخرج من هذه الحرب، وطبيعة علاقتها بالسلاح وهيبتها، وقدرتها على حماية مواطنيها.
ولعل أخطر ما في قراءة المشهد السوداني بحسب #وجه_الحقيقة هو اختزاله في صراع بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، بينما تدور المعركة في أصلها بين إرادة وطنية أعادت الحرب تشكيلها، ومحاولات خارجية لتوجيه مستقبل الدولة وفق حساباتها، فإن السلام لن يكتسب شرعيته إلا إذا صان الدولة واحتكارها للقوة، لأن العواصم قد تؤثر في مسار الأحداث، لكنها لا تستطيع أن تفرض على السودانيين نسيان تضحياتهم أو القبول بإعادة إنتاج أسباب المأساة.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 28 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com











