لم يخسر المنتخب وحده… بل خسرنا جميعًا

د. رياض الدليمي

لم تكن خسارة منتخب العراق في كأس العالم مجرد نتيجة رياضية تُسجل في أرشيف البطولات، ولم تكن خمسة أهداف في المباراة الأخيرة، أو الخروج المبكر من المنافسة، هي أكثر ما آلم العراقيين.

الذي آلمنا حقًا هو الشعور بأن ما جرى في الملعب لم يكن إلا صورة مصغرة لما يجري في الوطن.

لأيام قليلة، نسي العراقيون خلافاتهم. اجتمعت العائلات أمام الشاشات، وازدحمت المقاهي، وارتفع العلم العراقي في الداخل والخارج، وهتف الجميع باسم العراق فقط. لم يسأل أحد عن طائفة اللاعب، ولا عن قوميته، ولا عن انتمائه السياسي. كانت تلك لحظة وطنية نادرة، أثبتت أن العراقيين ما زالوا قادرين على الالتفاف حول وطنهم إذا وجدوا ما يجمعهم.

لكن النهاية كانت مؤلمة.

وليس لأن المنتخب خسر فحسب، بل لأن كثيرًا من العراقيين شعروا أن الخسارة تجاوزت حدود كرة القدم. شعروا بأن ما حدث يعكس واقعًا أكبر؛ واقع دولة ما زالت تعاني من ضعف التخطيط، وغياب الرؤية، وتراجع المؤسسات، وغياب الاستثمار الحقيقي في الإنسان.

فالمنتخبات لا تُصنع قبل أشهر من البطولات، بل تُبنى عبر سنوات طويلة من العمل العلمي، والأكاديميات، والمدارس الرياضية، والإدارة الكفوءة، والاستقرار المؤسسي. وكذلك الأوطان.

لا يمكن أن نتوقع منتخبًا ينافس كبار العالم إذا كانت مؤسسات الدولة تعاني من المحاصصة، والفساد، وضعف التخطيط، وغياب مبدأ الكفاءة. فالرياضة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع، بل هي إحدى نتائج السياسات العامة، كما هو التعليم، والصحة، والاقتصاد، والبحث العلمي.

ومع ذلك، فإن تحميل اللاعبين وحدهم مسؤولية ما جرى ليس عدلًا.

هؤلاء الشباب بذلوا ما استطاعوا، وحملوا علم العراق بكل فخر، لكن اللاعب لا يستطيع أن يعوض سنوات من الإهمال الإداري، ولا أن يصنع وحده مشروعًا رياضيًا افتقدته البلاد لعقود.

لقد أثبتت هذه المشاركة حقيقة مهمة: العراقي يمتلك حبًا لوطنه أكثر مما يظنه البعض. ملايين العراقيين لم يشجعوا حزبًا ولا حكومة، بل شجعوا العراق. وهذه الروح الوطنية هي الثروة الحقيقية التي يجب الحفاظ عليها، لا استغلالها أو تبديدها.

لقد طفح الكيل.

سئم العراقيون من رؤية بلدهم يتراجع في السياسة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والخدمات، ثم يمتد هذا التراجع إلى الثقافة والرياضة وسائر مجالات الحياة. ليس لأن أبناء العراق أقل قدرة أو موهبة من غيرهم، بل لأن الدولة لم تُدار، طوال سنوات طويلة، بما يحقق العدالة والكفاءة وسيادة القانون.

إن العراق لا يحتاج إلى مسكنات إعلامية، ولا إلى تبريرات جديدة، بل يحتاج إلى مشروع وطني جامع، يعيد بناء الدولة على أساس المواطنة، ويُعلي قيمة القانون، ويجعل الكفاءة معيارًا للمسؤولية، ويستثمر في الإنسان قبل الحجر.

فالدول القوية لا تُقاس بعدد أهدافها في مباراة واحدة، وإنما بقوة مؤسساتها، وعدالة قوانينها، ونزاهة إدارتها، وجودة تعليمها، ورعايتها لشبابها، وإيمانها بأن المستقبل يُبنى بالتخطيط لا بالشعارات.

ولعل أجمل ما كشفت عنه هذه البطولة هو أن العراقيين، رغم كل ما مروا به، ما زالوا يبحثون عن لحظة يفرحون فيها معًا، ويرفعون فيها علم العراق وحده.

فلنجعل من هذه الخسارة بداية مراجعة، لا بداية يأس.

ولنجعل من حبنا للعراق مشروعًا لإعادة بنائه، لا مجرد مشاعر تظهر مع كل مباراة ثم تنطفئ.

إن المنتخب سيعود يومًا، وقد يحقق انتصارات أكبر.

أما العراق… فهو يستحق أن يعود هو الآخر.

ولا عودة حقيقية إلا بوحدة الصف، وبناء دولة قوية بمؤسساتها، وقانونها، وعدالتها، واحترامها للكفاءة، لتستعيد مكانتها بين الأمم، ويستعيد أبناؤها ثقتهم بأنفسهم وبوطنهم.

هذا هو الفوز الذي ينتظره كل عراقي.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24