الصديقان ٤

الحب والصداقة هم بذرة من بذور العطاء والتضحية

الكاتب و القاص. فايل المطاعني.

خرج عمر
من المستشفي، بصحبة صديقه محمد وذهب إلى بيته أتصل عمر بزميلته المحامية هدى بنت سعيد يعلمها بمد أجازته، ويخبرها، بأن تحول له القضايا المهمة فقط لدراستها، اما القضايا العادية فتؤجلها الى أن يعود من أجازته، و بعد نصف ساعة، اتصلت هدى لتقول له
هدي : في المكتب امرأة ، تطلبك وبشكل مستعجل
عمر : خبريها ان المحامي عمر فى اجازة.
هدي :قلت لها،ذلك ولكنها أصرت على مقابلتك. شعر عمر بأن هناك أمرآ ضروريا جعل هذه السيدة تطلبه على وجه السرعة وحينها قال لزميلته،
عمر :طيب سأتي الى المكتب، اعطيها موعد بعد نصف ساعة، لاني حاجز الى المغرب، رحلة استجمام
هدى : انها تنتظرك فى المكتب على كل حال
وصل المحامي عمر
الى مكتبه و كانت الفتاة فى ربيعها الثامن والعشرين
طويلة ، بيضاء البشرة، جميلة جدا، خديها مشربة بحمرة ،عيناها واسعتان و فيهما حور، وجنتيها مكتنزة ،وجهها دائري،
فلما رات عمر ابتسمت على استحياء.
وبعد أن ألقي عمر التحية ،نظرت إليه الضيفة،وابتسمت ،ابتسامة خفيفة، زادها جمالا فوق جمالها
وقالت :أعلم أني، قد أخرتك، ولكن موضوعي لا يحتمل التاخير
سابد من البداية ليكون عندك فكرة؛ انا اسمي سهام عبدالله ارملة رجل الاعمال مسعود ابن علي. و استغرب عمر
و قال: نعم المرحوم، مسعود ابن علي، أنا محامي ورثته وهم رافعين قضية استرداد أموالهم ،التي كتبت باسمك،والاسباب عدم أهلية والدهم في أيامه الأخيرة ،كان مريض وغير مسيطر على قواه العقلية
وهنا سكتت السيدة سهام
برهة ثم قالت
سهام : للاسف، كلامك صحيح أنت محاميهم، ومكتبك، رافع القضية، وانا خايفه يربحوا القضية وحضرتك محامي شاطر وقوي.
ونظرت إليه وقالت : أستاذ عمر إذا هم ربحوا القضية ،سأكون انا وابنتي بالشارع، وهم لن يرحموا ابنتي وهي اختهم الصغرى ، لا ابنائه ولا امهم .
وبكت بحرقة ،واخرج عمر من جيبه منديلا مطرزا بخيوط ذهبية بهذه الاحرف ع . ع
وقال لها : سيدة سهام نحن عملنا إنساني من الدرجة الأولى ، ولا تستمعي للذين يقولون،إن المحامين جشعون نحن بشر ولكن نتعامل مع أوراق وأدلة وحقائق، فهل معك ما يثبت صحة كلامك أو على الأقل أن البيع تم قبل مرضه بفترة طويلة ليكون البيع صحيح ،وهل العقود موثقة عند كاتب العدل.
إذا عندك هذه الوثائق لن تحتاجي إلى محامي ، حتى انت بإمكانك ان تربحى القضية. فصاحب الحق يكسب ولو كان أبكم.
نظرت إليه سهام نظرة المنتصر وقالت:نعم معي فهذه الأموال والعقارات كانت ضمن صفقة وسكتت برهة ثم أضافت صفقة المهر ،و سكتت وهي تنظر إلى الارض وقالت وبصوت خافت : انت تعلم مثل هذه الزيجات أغلبها مصالح ،ورفعت رأسها ونظرت إليه : سيدي المحامي ،انت تعلم ان الاعمار بيد الله عزوجل، ولكني تعلمت انك لابد أن تلعب على المضمون ،فلا اخ باقي ولا أقارب باقون فقط ما تحصل عليه من الدنيا ،هذا الذي يرفع قدرك عند الناس..!
و رفع عمر سماعة هاتف المكتب مخاطبا زميلته هدى قائلا:
: هدى . حاولي تاجيل قضية ورثة المرحوم مسعود بن علي
بحجة دراسة القضية، بشكل رسمي
فقالت له المحامية هدى وكانت من أقاربه وهي تبتسم
: يبدو أن حديثك مع المرأة جعلك تنسي أن هذا الشهر لا توجد قضايا ، لقد نسيت أننا في عطلة قضائية وبالتالي مافي مرافعات ولا قضايا تبث هذه الايام، ايها المحامي العبقري.
عمر ضاحكا :.اذن تعمل السيدة سهام ، توكيل لك. وان شاء الله بعد العطلة نكون درسنا القضية،ونظر الى سهام التي كانت تلعب بسلسلة مفاتيح ذهبية ، كانت داخل حقيبتها قال متأملآ الضيفة:دام القضية وصلت إلى المكتب لن ترجع ضيفتنا بخفي حنين★ واغلق الهاتف وقال للسيدة سهام:اريدك ان تعملي توكيل للمحامية هدى،وسوف نرفع قضية باسمك وباسم ابنة المرحوم ،اسمها حصر إرث وقال وهو يبتسم ابتسامة الواثق من كلامه :يجب أن نهاجم بدل أن ندافع ،بهذه الطريقة سوف نقلب الطاولة عليهم،لأنها راح توقف اي بيسة يملكها المرحوم زوجك
وأعمالهم سوف تتوقف،وحينها ياتوا اليك
للتفاهم، وقال بلهجة المنتصر :كل شي بالقانون
نظرت إليه سهام نظرة اعجاب وامتنان قائلة : لا ادري كيف اشكرك ايها المحامي.
لقد انقذتنا من التشرد
وهلل وجه عمر فرحا:سيدة سهام اعتبري القضية منتهية ،إنها في جيبك،اعدك بذلك،وفتح الباب لها وهو يقول:لا تنسي التوكيل سيدة سهام . وبعد أن خرجت سهام من مكتب عمر ذهبت الى هدى و عملت توكيل.
هدى تقول لعمر :لماذا جعلت توكيل باسمي وليس باسم مكتب عمر عبدالله للمحاماة
عمر ينظر من نافذة مكتبه إلى الشارع حيث تركن سهام سيارتها الفارهة ثم قال لهدى :نحن أعمالنا عند ورثة المرحوم مسعود بن علي،اذن مصالحنا معهم.
اما انت تاخذي قضية زوجة أبيهم هذا تصرف فردي من محامية في مكتبي. واخاف غضبتهم أن يسحبوا معاملاتهم من مكتبي
هؤلاء أغنياء ولا نريد أن نفقدهم.
وهنا صفقت المحامية هدى قائلة:يا لك من محامي ذكي
ولكن المحامي عمر كان يفكر بالسيدة سهام ،و جلس على كرسيه قائلا : العجائز يتمتعوا بالحسناوات ،ويتركوا أبناءهم يدفعون الثمن
★★★★★
وصل عمر
الى مدينة الناظور الريفية الجميلة، وأخذ، ينظر الى النافذة، ليري الخضار فى كل مكان، ونسمات الهواء الباردة، تداعب شعره، ولحيته وحضرت مديرة منزله أم سعيد لتقول له :ماذا يريد على الغذاء، فأخبرها، بأن تعد له طبق البسطيلة ليكون غداء اليوم وبعد مرور ثلاثة أيام، على وصوله الى المغرب ،سمع هاتفه النقال يرن، وكانت منى الكوس هي المتصلة،تدعوه لزيارتهم في قصرهم، في كازا بلانكا.
إعترت عمر فرحة عارمة ،بداخله ،لايعلم ما أسبابها،ولماذا هذه الفرحة المفاجئة،فرح خجول،لأنه يعلم ،ان صديقه يحبها ويريدها لنفسه،وبالتالي لا يحق له،هو أن يفرح باتصالها،وذهب لكي يختار ملابس تناسب تلك الزيارة الفخمة ،فتح دولابه،ووقع اختياره، على بدلة سوداء ،وبنطال اسود ،على جوانبه خط طوليآ،أكثر سودآ،عن باقي أجزاء البنطلون ،وقميص أبيض،وياقته بلون السماء،بل افتح قليلآ، وبابيون لؤلؤي ،ولم ينس أن يحضر ساعته هوبلو بيج بانج الذهبية الفاخرة.
وجاء الموعد. وصل المحامي عمر الى قصر آل الكوس ادخله الخادم، وهو يقول له مرحبا :مرحبا، سيدي الاميرة كستناك في قاعة الضيوف.
دخل عمر إلى قاعة الضيوف التي كانت فرنسية الطابع، فهناك في ذلك الركن توجد الكراسي الفرنسية الفاخرة متناثرة، كأنها قطع ورد قد قطفت على عجل و بعثرت في أرجاء المكان ؟ ولكن هذه البعثرة لا تقلل من جمالها فأصبحت كاللوحة التي فرغ الفنان من رسمها الآن، نظر إلى القاعة فوجد صورة زيتية لعميد أسرة الكوس،يصافح الملك الحسن الثاني رحمه الله ،وجلس ينظر في ابهار إلى الثريات الفخمة العملاقة، التي تتوسط محراب القاعة الرئيسية ،قاعة الاستقبال،ولم يستمر تأمله طويلا،فقد سمع صوتا ناعما من خلفه، يقول له: مرحبا بك في بيتنا المتواضع!!
انه صوت منى مرحبا به.
بدات منى ،كحورية جميلة،وهي ترتدي فستان ،ابيض اللون،مرسوم عليه أمواج البحر الهادرة، وكسرات طولية تصل إلى الاقدام ،و قفطان مطرز بخيوط ذهبية،و وضعت ماسة زرقاء، على جيدها وحلق على نفس لون السلسال،أزرق مع تسريحة الحصان الشهيرة، فغدت كأميرة مغربية ،بربرية،تمازج دمها .. بدم أهل الخليج.فأخذت الجمال المغربي الأخاذ و أنوثة بنات الخليج الطاغية، ووقفت أمامه مباشرة ،ترحب به، وتدعوه للجلوس،حالما تأتي والدتها
لم ينبس عمر بكلمة واحدة ،لا كلمة مجاملة قائلا:ماشاء الله،القصر زوين بزاف.
منى الكوس تفتح عينيها الجميلتين:ماشاء الله تتكلم مغربي،وقبل أن يجيب سمع صوتا من خلفه يقول:هذا قصر قديم جدآ من زمن مولاي إسماعيل ورمم في عهد الملك محمد الخامس★ رحمة الله عليه،والحمدلله رجع بريق ديالو ،وهنا مدت يدها مصافحة المحامي قائلة له:مرحبا بضيفنا المحامي عمر عبدالله.
عمر يقبل يد السيدة صفية بن سعيدقائلا لها: كيدرايرا
لا باس.
السيدة صفية تبتسم باحترام: لا بأس الحمدلله.
صفية تدعوه للجلوس وتقول:تشرب شي قبل الغداء ،نحضروه لك.
وقاطتعها ابنتها قائلة بخجل وهي لا ترفع عينيها عن عمر:نحن نعرف انك تحب عصير الاناناس مع المانجو المحشو بالفستق واللوز الحلبي ،وهنا استغرب عمر، ثم ضحك قائلآ : يبدو أن العصفورة، أخبرتكم بأشياء كثيرة عني،فتبسمت منى قائلة: نعم ،أخبرتنا بكل شيء عنك،وهنا أغمض عينيه قليلآ، وقال وبصوت خافت:عليك اللعنة أيها الصديق الأحمق
يتبع
معاني الكلمات
كازا بلانكا: الدار البيضاء المدينة الثانية بعد العاصمة الرباط.
مولاي إسماعيل:أحد ملوك الأسرة العلوية الحاكمة بالمغرب ★ محمد الخامس جد الملك محمد السادس. ★ خفي حنين : من امثال العرب ويقصد أن ترجع دون أن تحقق هدفك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى