ما حك جلدك مثل ظفرك

 

بقلم شاكر هاشم محجوب – جدة

منذ سنين مضت كانت بعض المؤسسات الحكومية تملك تاريخاً مشرفاً ناصع البياض، أنشئت وأسست بسواعد وطنية مستعينة بالخبرات الأجنبية والتي ما لبثت أن أستغنت عنها تدريجياً معتمدة على أبناءها في معظم المرافق، وفي وقت قصير وبالجهد والتفاني والإخلاص أصبح لها سمعةً وصيتاً يفوق مثيلاتها في ذلك الوقت حتى إلى وقت قريب .

رجالها كانوا يستشعرون المسؤولية والأمانة الملقاة على عاتقهم، كان العمل بالنسبة لهم إنتماء و ولاء أكثر من أن يكون مجرد وظيفة حتى تولد لهم الإحساس إنهم في بيتهم الثاني وإن لم يكن الأول. نعم تفانوا وضحوا وسخروا جل وقتهم وجهدهم من أجل العمل ، حفروا الصخر وليس فقط من أجل المال، إنما لإيمانهم أن العمل عبادة وحباً للوطن و رفعته. رحل من رحل منهم إلى رحمة الله، ومازالوا في الذاكرة وممن يشار لهم بالبنان، ولكن لأن دوام الحال من المحال، جأت الفترة التي أشبه ما تكون بالغيبوبة، ادخلت على أثرها بعض هذه المؤسسات إلى الإنعاش في محاولة يائسة لبث الروح فيها من جديد وحتى وقتنا الحالي لا جديد من سيء إلى أسوء.

كل ذلك ناتج من طريقة خاطئة أتبعت لدواعي الخصخصة لم تعتمد على دراسات مقننة أو خبرات على صلة بالواقع الإداري والتشغيلي في هذه المؤسسات، تعددت الإدارات وقسمت بعض المؤسسات إلى شركات جلبوا لها رؤساء من خارج المنظومة تهميشاً وعدم إعتراف بقدرات أبنائها، فتولد لدى البعض الإحساس بعدم التقدير والحسرة على ما آلت إليه الأمور في ظل هذا الفساد الفكري والإداري.

الطامة الكبرى أن معظم قرارات هؤلاء الرؤساء كانت ارتجالية بلا هدف ولا مضمون، ضاعت معها الحقوق والرؤيا، وأصبحت المنظومة ككل في حالة من التخبط والضياع. ناهيك عن اعتقادهم أن خير وسيلة للتوفير المادي و رفع رأس مال الشركة هو أولاً وأخيراً على حساب هذا الموظف الغلبان فقصت اجنحته، تلاعبوا بنسب الأداء الوظيفي، ووضعت الكثير من الخطط بناءً على دراسات قراقوشية لسحب أمواله ولو بالعافية.

اتجهوا ايضا إلى ترسيخ فكرة أن طالب الحق فاسد يجب بتره، متبعة سياسة إسمع..نفذ وأنت ساكت، مما تولد لدى البعض حالة من النفاق جعله منهاجاً له اتقاءً لشرهم، وأصبحت النذالة والدناءة دماثة خلق، أما عن الرافضين لهذا الأسلوب وفي معيتهم أصحاب الخبرة والذين هم على أبواب التقاعد أُتبع معهم أسلوب التطفيش المبطن، الغير معلن دون مرأعاة لتاريخهم وما قدموه من جهد لم يشكرو عليه مع الأسف، هكذا وبلا أدنى إحساس. لكن عزائنا أن الأوفياء ابداً لن ينسى عملهم وسينتصر لهم الزمن ولو بعد حين والتاريخ ملىء بالعبر.

إن التوليفة الذكية من وجهة نظري للإداري الناجح، يجب أن يكون ذو علم وثقافة وخبرة ميدانية كافية (في مجال العمل المناط إليه)، منتج ومساهم في إنجاز المهام، لديه المهارات التقنية اللازمة، يدعم تطور الموظفين ومتعاون معهم، وبالطبع دماثة الأخلاق، مع خلق له بيئة فريق عمل شاملة، أمور بسيطة إن تحققت سينجح العمل برمته.

أخيراً كم نرجو أن يستيقظ هؤلاء المكابرون ويلتفتوا إلى موظفينهم والإعتماد عليهم، فما حك جلدك مثل ظفرك، وأن لا تكون الشهادات وحدها هي المقياس، فكم من حامليها يمثلون الجهل نفسه. مازال الوقت مبكراً لتلافي الأخطاء وترميم ما سبق، وأن تصل متأخراً خيراً من أن لا تصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى