بقلم . فايل المطاعني. الحكواتي.
الفصل الأول الحيرة
في عالم المال، لا تُقاس الثروة بما يملكه الإنسان من ذهب وعقارات فحسب، بل بما يملكه من نفوذ وقدرة على التحكم بمصائر الآخرين. غير أن السلطة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تمنح صاحبها راحة البال أو تحرره من مخاوفه وأعدائه.
وفي مدينة بوردو الفرنسية، حيث تتجاور القصور الفخمة مع الأسرار المظلمة، كان رجل الأعمال الشهير سام روزيللي يعيش في قلب هذا التناقض؛ رجل يملك كل شيء تقريباً، لكنه لا يعرف معنى الاكتفاء. وبينما كان الجميع يرونه رمزاً للنجاح والقوة، كانت الحيرة تطرق أبواب أسرته من الداخل، تمهد الطريق لأحداث ستقود إلى جريمة هزّت المدينة بأكملها.
كانت الشمس مشرقة فوق منزل عائلة روزيللي في مدينة بوردو، وكان رجل الأعمال سام روزيللي يجلس على كرسيه الخيزراني المتحرك مرتدياً قميصاً أزرق مفتوح الياقة، وقد طُرّزت على جانبه الأيمن الأحرف (S.R) بخيوط من الذهب الخالص. ومن مقدمة حزامه تدلت سلسلة ذهبية تتصل بحافظة مفاتيحه، فيما كانت ساعة فاخرة تلمع في معصمه، تتلألأ عقاربها المرصعة بالألماس تحت أشعة الشمس.
وبين أصابعه أمسك بعود ذهبي كانت زوجته قد أهدته له مؤخراً لتحريك مكعبات الثلج في كأس العصير الذي اعتاد احتساءه كل صباح.
في تلك اللحظة دخلت ابنته سارة، فطبعت قبلة على خده وجلست أمامه في الغرفة الخاصة التي لا يتسرب إليها أي صوت، إذ صُممت بجدران عازلة تمنع التنصت أو اختراق الخصوصية. كان سام شديد الحذر؛ فهو يعلم أن النجاح يجلب الأعداء كما يجلب الحلفاء، وكان مقتنعاً بأن المال قادر على شراء ولاءات الناس وضمائرهم.
ضحك قائلاً:
ــ نعم… كثير من الرجال لا يقاومون سطوة المال.
ثم أردف وهو يقهقه:
ــ والشيطان ما زال حياً ولم يمت بعد.
كانت تلك الغرفة المغلقة شاهدة على اجتماعاته السرية مع مديري شركاته المتعددة، حيث تُعقد الصفقات وتُرسم الخطط بعيداً عن أعين المنافسين.
وبعد أن جلست سارة، بدت عليها علامات التردد، وكانت تنظر إلى والدها بين الحين والآخر وكأنها تريد أن تقول شيئاً. وبخبرته الطويلة، أدرك سام أن في نفسها حديثاً تخشى البوح به.
نظر إليها نظرة عميقة، فشعرت وكأن عينيه تخترقان أفكارها وتحاولان قراءة ما يدور في ذهنها قبل أن تنطق بكلمة واحدة.
كانت سارة تعرف والدها جيداً، لكنها لم تتوقف يوماً عن التعجب من تلك الازدواجية التي تسكن شخصيته. فعندما كانت طفلة صغيرة، كان يحملها بين ذراعيه ويجلسها على ركبته، ويقضي ساعات طويلة يزين معها شجرة الميلاد بحنان الأب وعطفه. لكنه في الوقت نفسه كان يفكر في كيفية هزيمة منافسيه وتحطيم خصومه في عالم التجارة.
حتى إن كثيراً من رجال الأعمال كانوا يرتجفون لمجرد سماع اسمه. وإذا أراد شيئاً ولم يحصل عليه، تحول إلى رجل لا يعرف التراجع، مستعداً لتحطيم كل ما يقف في طريقه.
وبعد دقائق من الصمت، قالت سارة بهدوء:
ــ بابا سام… لماذا لا ترتاح؟ هل ما زلت بحاجة إلى المال؟ أنت تملك منه ما يكفي وأكثر، وكل ما تحتاج إليه متوفر لديك. فلماذا كل هذا العناء والركض المستمر؟
ضيّق سام عينيه وهو يحدق في وجهها، ثم وضع كأس العصير على الطاولة بعنف وأشار إليها بإصبعه صارخاً:
ــ من أجل السماء يا سارة… اصمتي!
ثم تابع بنبرة حادة:
ــ ماذا تعرفين عن عملي؟ أنتِ لا تفهمين شيئاً. اهتمي بشؤونك الخاصة، فما أفعله لا يخصك.
ساد الصمت للحظات، وأطرقت سارة رأسها دون أن تجيب.
وبعد أن هدأ غضب والدها، اقتربت منه وجلست إلى جواره، ثم أخذت تمسح على رأسه برفق. وفي تلك اللحظة أدركت حقيقة كانت تعرفها منذ زمن طويل:
أن والدها لن يتوقف أبداً عن السعي وراء الزعامة والنفوذ… لا حين يمرض، ولا حتى حين يقترب من الموت.
يتبع .














