من ملفات العميد حمد الشميسي جريمة في بوردو “الفصل الحادي عشر”

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
Le Murano (ميرانو)
جلس الكولونيل رينو والعميد حمد الشميسي على طاولةٍ منفصلة، تبعد قليلًا عن بقية أفراد العائلة؛ فقد كان رينو يدرك التقاليد العربية جيدًا، وأراد أن يمنح السيدات مساحةً للحديث بحرية بعيدًا عن أحاديث الرجال.
وكانت مدام بافلو من بين المدعوين إلى مأدبة العشاء في مطعم ميرانو، وجلست تشرح للضيفات أبرز الأماكن التي ينبغي لهن زيارتها في مدينة بوردو، بينما كانت ليلي تتحدث مع منى عن جريمة مقتل رجل الأعمال سام روزيللي، وعن ملابسات الحادث والخوف من أن تتحول القضية إلى رأي عام، الأمر الذي سيضاعف الضغط على شرطة بوردو المثقلة أصلًا بالعديد من القضايا. لكن هذه المرة لم تكن القضية عادية، فـ سام روزيللي لم يكن رجلًا عاديًا.
قالت ليلي لصديقتها:
ليلي: أريد أن أخبرك بسر… وأحتاج إلى مساعدتك.
نظرت إليها منى باهتمام وقالت مبتسمة:
منى: تفضلي… سرك في بئر.
ترددت ليلي قليلًا، ثم قالت:
ليلي: تعالي نأخذ طبقًا من البوفيه، وهناك سأخبرك بعيدًا عن الجميع.
منى: حسنًا.
وفي الجهة الأخرى من المطعم، كان الحديث بين العميد حمد والكولونيل رينو أكثر جدية.
العميد حمد: ماذا تريد مني؟ أن أشارك معك في التحقيق؟ أنا لست مخولًا بذلك، ولست محققًا خاصًا، بل رجل أمن، ولا أظن أن السيدة سارة ستقبل بهذا.
اقترب رينو منه وهمس بصوت خافت:
رينو: هي من طلبت ذلك بنفسها. لا تقلق، الأمر في غاية البساطة. ستكون برفقتي، ولن يسأل أحد عن سبب وجودك ما دمت معي.
ثم تنهد وأضاف:
رينو: لا أخفيك سرًا… أريد أن ننتهي من هذه القضية سريعًا قبل أن يتمكن أعضاء البرلمان من تحويلها إلى قضية رأي عام. عندها ستتعقد الأمور، وستتدخل الشرطة المركزية في باريس، المختصة بجرائم عصابات المافيا، وهذا آخر ما أريده. لا أريد أن يأتي أحد لينتزع منا هذا الملف… وإلا فما فائدة وجودنا هنا؟ الأفضل حينها أن نعود إلى بيوتنا.
ثم ابتسم وهو ينظر إلى العميد حمد وقال:
رينو: ما رأيك يا كولونيل حمد؟ لقد زكيتك أمام السيدة سارة، وهي تنتظر منك العون والمساعدة… فما قولك؟
ساد الصمت للحظات، ثم قال العميد حمد بهدوئه المعتاد:
العميد حمد: إذا كانت صاحبة الشأن قد وافقت، وإذا كان وجودي سيساعد في كشف الحقيقة، فسأكون معك. لكنني هنا ضيف، ولن أتجاوز حدودي أو صلاحياتي. سأساعدكم بقدر ما أستطيع.
ارتسمت على وجه رينو ابتسامة ارتياح، فقد أدرك أن شريكًا استثنائيًا قد انضم إلى التحقيق.
★★★★★★★★★
مصطفى
كانت ليلي ومنى تقفان أمام البوفيه، بعيدًا عن أنظار الآخرين.
منى: ماذا تقولين يا ليلي؟ كيف يطلب منك زوجك العودة إلى المغرب، وأنت فرنسية، ومستقبلك هنا؟ بل إنني أرى أن مستقبلًا كبيرًا ينتظرك في شرطة بوردو. ماذا دهاه؟
بدأ الحزن يتسلل إلى ملامح ليلي، وقالت بصوت خافت:
ليلي: لا أعلم ما الذي جرى له. أصبح يغار من الكولونيل رينو، ويقول إنني أقضي وقتًا معه أكثر مما أقضيه مع زوجي، مع أنه يعلم أن رينو هو الساعد الأيمن لمسيو هنري، زوج سارة روزيللي. صحيح أنه لم يحصل على الجنسية الفرنسية، لكنه معروف في بوردو بعمله وإخلاصه، ولا أدري ما الذي تبدل فجأة. يريد العودة إلى المغرب دون أي مقدمات… وأنا حياتي هنا، وابنتي اعتادت العيش هنا. ماذا سنفعل هناك؟
ثم أمسكت بيد منى وقالت برجاء:
ليلي: ساعديني يا منى… ما الحل؟
ولم تتمالك نفسها، فضربت الطاولة بخفة وهمست بغضب:
ليلي: تبًّا… تبًّا… هل كان يجب أن يموت مسيو سام روزيللي في هذا الوقت؟
رفعت منى حاجبيها بدهشة وقالت:
منى: وما علاقة وفاة مسيو سام بقرار زوجك؟
تنهدت ليلي طويلًا، ثم نظرت حولها لتتأكد أن أحدًا لا يستمع إليهما.
ليلي: لا أدري… لكن منذ مقتل مسيو سام تغيّر زوجي كثيرًا. أصبح شارد الذهن، سريع الانفعال، ويستيقظ ليلًا على صوت أي حركة في المنزل. في البداية ظننت أنه حزين على وفاة رب عمله…
توقفت فجأة، وكأنها ندمت على ما كادت تقوله.
منى: لكن ماذا يا ليلي؟
ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوت خافت:
ليلي: لا شيء… ربما كانت صدمة الجريمة، والطريقة البشعة التي قُتل بها مسيو سام… وربما أنا من يبالغ في الظنون.
وفي تلك اللحظة، لمحتهما مدام بافلو من بعيد، فأشارت إليهما بالعودة إلى الطاولة، بينما كان العميد حمد الشميسي ينظر إلى الكولونيل رينو في صمت، قبل أن يقول بهدوء:
العميد حمد: موافق… سأساعدك في هذه القضية، ولكن بصفتي مستشارًا لا أكثر. وأعدك بشيء واحد… سأبحث عن الحقيقة، مهما كانت.
ابتسم رينو ابتسامة خفيفة، وهو يشعر أن التحقيق قد دخل مرحلة جديدة، دون أن يدرك أن الكلمات التي نطقت بها ليلي قبل لحظات ستكون أول خيط يقودهما إلى سرٍّ أكبر بكثير من جريمة قتل.

يتبع…

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24