خالد غواص
دعوني أستهل هذا المقال بالسؤال الذي وضعته عنواناً له: كيف تنجح؟
قد يبدو السؤال بسيطاً في كلماته لكنه في الحقيقة يحمل في داخله أسئلة كثيرة تتعلق بالإنسان وطموحه وأهدافه ونظرته إلى الحياة وقدرته على صناعة مستقبله فالحديث عن النجاح لا يمكن اختزاله في كلمات أو أسطر محدودة لأنه تجربة إنسانية متكاملة تختلف من شخص إلى آخر، وتتعدد صورها وأشكالها.
ومن هنا فإنني لن أتحدث عن النجاح وفق تعريفات الآخرين وما يتداول أو بالأصح الدارج كتعريف لأن النجاح ليس له تعريف موحد بقدر ما كل شخص ينظر له من زاوية ويعرفه وفق مايراه ولكن اغلب التعريفات قد تكون متشابهة لحد كبير عليه سأتحدث عنه من منظوري الشخصي ومن خلال ما شاهدتها من تجارب سواء بالنسبة لي مما شكلت تلك الأمور صورة لدي لتعريفه أو بالنسبة للأخرين وتجاربهم وقصصهم في الحياة وسوف أستشهد ببعض القصص لتقريب ذلك .
فمن خلال التمهيد أعلاه وجدت أن كثيراً من الناس يعيشون حياتهم بلا طموح واضح ولا أهداف محددة يمضي يومهم وهم منشغلون بكيفية عبور يومهم ثم يأتي يوم آخر بمشاغله وهمومه وهكذا تستمر الحياة في دائرة متكررة دون أن يتوقف الإنسان ليسأل نفسه إلى أين أريد أن أصل؟ وماذا أريد أن أحقق؟ وما الرسالة التي أريد أن أتركها خلفي او على أقل تقدير وأبسطه لمن هم حولك ممن لك ولاية ورعاية عليهم ؟
فلو تأمل الإنسان وفكر في الغاية من وجوده وخلقه على هذه الأرض لأدرك أنه لم يُخلق عبثاً ، وإنما خُلق لغاية ولأداء مهمة ورسالة في الحياة ، وقد تختلف تلك المهمة والرسالة من إنسان إلى آخر لكن الأهم أن يدرك الإنسان أن له دوراً ينبغي أن يؤديه وأن لحياته قيمة ومعنى يتجاوز مجرد العيش وانتظار دورة الأيام وروتينها الممل .
وللأسف الشديد قد يمضي الإنسان منا حياته ثم يرحل عنها دون أن يكتشف حقيقة نفسه أو مواهبه أو القدرات التي وهبه الله إياها.
كم من إنسان رحل عن هذه الدنيا وكان يحمل في داخله موهبة أو إبداعاً أو فكرة مميزة لكنه لم يبحث عنها ولم يمنحها الفرصة لكي ترى النور .
إن كثيراً من الطاقات والإبداعات قد تبقى حبيسة أصحابها حتى تنتهي حياتهم ليس لأنها لم تكن موجودة وإنما لأن أصحابها لم يكتشفوها أو لم يؤمنوا بقدرتهم على تطويرها وإظهارها.
وأنا أعزي الكثير من عدم إجتهاد الشخص لإكتشاف ذاته الخوف وعدم الجرأة والشجاعة من مواجهة نفسه حتى وأن وجدت لديه قدرات نتيجة ضعفه وخوفه يخشى أن يواجها بها الأخرين وهؤلاء بتقديري يحتاج لهم علاج وتأهيل نفسي .
فإذا تأملنا في خلق الله سبحانه وتعالى وجدنا أن لكل إنسان ما يميزه عن غيره فلا تتطابق الأصوات تماماً ولا تتطابق الملامح والأشكال بصورة كاملة حتى التوائم الذين قد يتشابهون إلى حد كبير فإن بينهم فروقاً تميز كل واحد منهم عن الآخر .
فسبحان الله الذي خلق كل شيء بقدر وقد قال تعالى(وكل شيء خلقناه بقدر) .
وهذا الاختلاف بين البشر ليس أمراً عابراً وإنما هو جزء من طبيعة الخلق فهناك إختلاف في المواهب والقدرات والميول والإبداعات وكل إنسان يستطيع أن يقدم شيئاً بطريقته الخاصة وفق ما منحه الله من قدرات وإمكانات.
بل إننا لا نجد مخلوقاً من مخلوقات الله إلا وله دور في هذه الحياة فكل شيء يؤدي وظيفة أو مهمة ضمن هذا الكون العظيم.
ونحن كمسلمين نؤمن بأننا خُلقنا لعبادة الله سبحانه وتعالى وإعمار الأرض بالخير ونشر السلام والتحلي بحسن الخلق وأداء الأمانة والمسؤولية التي حملنا الله إياها .
ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يشغل الكثير منا:
من منا لا يحلم بالنجاح؟
ومن منا لم يتمنَّ يوماً أن يحقق حلماً أو طموحاً يميزه عن غيره؟ ومن منا لا يريد أن يرى أمنياته تتحول إلى واقع وأن يعيش لحظة الوصول إلى الهدف الذي طالما حلم به؟
لا شك أن الشعور بتحقيق الطموح من أجمل المشاعر التي يمكن أن يعيشها الإنسان.
حتى الأطفال الصغار لديهم أحلامهم وطموحاتهم وإن كانت بعض تلك الأحلام في أحيان كثيرة أكبر من إمكاناتهم أو إمكانات أسرهم وقد تحمل شيئاً من الخيال الذي يصعب تحقيقه.
لكن هنا يأتي دور الأسرة وخاصة الأب والأم.
فلا تجعلوا من أنفسكم عائقاً أمام طموحات أبنائكم
أيها الأب أيتها الأم عندما يخبرك ابنك بحلم يبدو لك بعيداً أو صعب التحقيق لا تسارع إلى تحطيمه بكلمة هذا مستحيل ولا تجعل محدودية إمكانات اليوم تحكم على أحلام الغد .
بدلًا من ذلك تحدث معه وناقش حلمه وقل له
ربما نستطيع أن نحقق هذا الهدف بطريقة أخرى فلنحاول ولنبحث عن الوسائل التي يمكن أن تساعدنا ليس المهم دائماً أن يحقق الطفل الهدف الذي رسمه لنفسه بالطريقة التي تخيلها وإنما الأهم أن يتعلم كيف يفكر وكيف يخطط وكيف يحاول وكيف يتعامل مع الفشل والتحديات .
إننا عندما نشجع أبناءنا على التفكير والطموح فإننا لا نمنحهم حلماً فقط بل نمنحهم مهارة سترافقهم طوال حياتهم .
فالطموح يبنى والثقة بالنفس تنمى والقدرة على مواجهة التحديات تكتسب بالتجربة والممارسة .
النجاح ليس مالاً فقط
كثير من الناس يختصرون النجاح في المال والمكاسب المادية ويرون أن الإنسان الناجح هو من أستطاع أن يجمع ثروة أو يصل إلى منصب أو يمتلك الكثير من الممتلكات .
ولا شك أن النجاح المادي أحد أشكال النجاح لكنه بالتأكيد ليس النجاح كله .
فالنجاح له صور متعددة قد يكون نجاحاً في العلم أو في العمل أو في بناء الأسرة أو في خدمة المجتمع أو في الإبداع أو في ترك أثر طيب يبقى بعد رحيل الإنسان .
وقد ينجح إنسان في مجال علمي أو فكري ويصل إلى مكانة لا يستطيع كثير من أصحاب الشهادات الوصول إليها .
ولنا في التاريخ شواهد كثيرة على ذلك .
ومن الأمثلة التي يمكن الإستشهاد بها عباس محمود العقاد الذي لم يتجاوز في تعليمه النظامي المرحلة الابتدائية ومع ذلك أصبح واحداً من أبرز الأدباء والمفكرين العرب وترك إرثاً فكرياً وأدبياً كبيراً وترجمت بعض مؤلفاته إلى لغات متعددة .
والحديث عن العقاد وغيره من النوابغ لا يعني التقليل من قيمة التعليم والشهادات الأكاديمية وإنما يؤكد أن الشهادة ليست وحدها معياراً نهائياً للحكم على قدرات الإنسان ونجاحه.
كما أن كثيراً من العلماء والمكتشفين والمبتكرين الأوائل أسهموا في تأسيس العلوم التي قامت عليها التقنيات الحديثة وفي تطوير وسائل النقل والأتصالات والطب والتكنولوجيا والإعلام وغيرها من المجالات التي غيرت وجه العالم .
لقد اجتهد هؤلاء وبحثوا وجربوا وفشلوا ثم عادوا وحاولوا من جديد حتى وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه اليوم .
وهنا تكمن إحدى أهم قواعد النجاح بتقديري وهو أن النجاح لا يأتي بالتمني والانتظار وإنما يأتي بالسعي والعمل والتخطيط والمثابرة .
فالإنسان يحتاج إلى أن يؤمن بقدرته على تحقيق هدفه وأن يثق بنفسه وأن يدرك أن الطريق إلى النجاح قد لا يكون مستقيماً وقد تعترضه العقبات والتحديات .
ومن أهم عوامل النجاح في رأيي القدرة على التغيير والتكيف معه فالحياة متغيرة بإستمرار ومن لا يستطيع التكيف مع المتغيرات قد يجد نفسه عاجزاً عن مواصلة الطريق وقد يختار الإستسلام للواقع خوفاً من مواجهة المجهول .
وهنا أيضاً سوف أستشهد واحاول ترجمة شيء من قصص وسيرة طلال أبو غزالة حين يتحول التغيير إلى فرصة وفي هذا السياق أطلعت على تفاصيل منها لبعض حياته كان يحكيها هو بنفسه وحاولت كتابتها ، كان طلال أبو غزالة في طفولته يعيش في أسرة ميسورة في فلسطين قبل الإ حتلال وكان والده يملك فندقاً ومصنعاً للثلج ووكالات للإستيراد والتصدير .
ثم جاءت الأحداث التي غيرت حياة الأسرة بصورة جذرية فاحتُلت فلسطين وصودرت ممتلكات الأسرة وتحولوا إلى لاجئين وأستقر بهم الحال في جنوب لبنان ، وكان طلال حينها في العاشرة من عمره طفل صغير وجد نفسه فجأة أمام واقع جديد لم يختره ولم يكن له ذنب فيه .
كان بإمكانه أن يستسلم لهذا الواقع، وأن ينظر إلى ظروفه بإعتبارها نهاية الطريق لكنه اختار طريقاً آخر ، قرر أن ينتصر بالتعليم .
كانت المدرسة التي يدرس فيها بعيدة عن مكان إقامته وكان يقطع المسافة مشياً على الأقدام ساعتين ذهاباً وساعتين إياباً ومع ذلك كان متفوقاً على أقرانه ويحصل على المركز الأول في مراحل دراسته .
وعندما أنهى المرحلة الإعدادية وأراد الانتقال إلى التعليم الثانوي توجه إلى مدرسة المقاصد حسب حديثه مصطحباً أوراقه طالباً مواصلة تعليمه لكن طلبه قوبل بالرفض وطُلبت منه رسوم دراسية لم يكن قادراً على دفعها ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل قام مدير المدرسة بتمزيق أوراقه وإلقائها في سلة المهملات لكن طلال لم يعتبر ذلك نهاية الطريق عاد وحاول مرة أخرى ، توجه إلى المدير الأعلى وذهب إليه في منزله وشرح له ما حدث وأخبره بأنه لا يستطيع دفع الرسوم ، وفي البداية أُبلغ بأنه لا يمكن مساعدته ، لكن طلال لم يستسلم بل تقدم بطلب جريء جداً طلب أن تتم كفالته لمدة فصل دراسي واحد على أن يثبت جدارته بالحصول على المركز الأول في المدرسة وفي جميع المواد فإذا لم يحقق ذلك الشرط فمن حق المدرسة فصله تعجب المدير من هذا الشرط الذي وضعه الطفل على نفسه وسأله
هل أنت واثق من نفسك؟ فأجابه بما معناه جرّبني .
وكانت النتيجة أن طلال حقق شرطه وحصل على المركز الأول في المدرسة وفي جميع المواد الدراسية وأستمر في مسيرته التعليمية .
ثم واصل طريقه في الحياة حتى أصبح من أبرز الأسماء في مجال الملكية الفكرية وحقق نجاحات كبيرة وأصبح صاحب تجربة وقصة نجاح تستحق التأمل ، ولست هنا بصدد سرد تفاصيل حياته أو جميع إنجازاته وإنما أستشهد بقصته كدليل على أن الظروف الصعبة لا تعني بالضرورة نهاية الطريق .
أحياناً يكون التغيير الذي نخشاه هو نفسه الباب الذي يقودنا إلى مستقبل لم نكن نتوقعه وهذه العبارة دائما أرددها حتى من واقع تجارب حياة بسيطة وفي مواقف معينة منها وأجدها ناجحة جداً معي .
النجاح يبدأ من الداخل إن النجاح في النهاية ليس مجرد وصول إلى مكان معين وإنما هو رحلة تبدأ من داخل الإنسان تبدأ بفكرة ثم بطموح ثم بهدف ثم بخطة ثم بعمل ومثابرة وقد تتخللها إخفاقات وعقبات لكن الإنسان الناجح هو من يتعلم من تلك العقبات بدلاً من أن يجعلها سبباً للإستسلام .
وقد لا نستطيع تغيير الظروف التي نعيشها لكننا نستطيع أن نغير طريقة تعاملنا معها وقد لا نستطيع اختيار نقطة البداية لكن بإمكاننا أن نختار الاتجاه الذي نسير إليه وهنا يأتي الإيمان بالتغيير والقدرة على التكيف معه .
فمن يملك الإرادة يستطيع أن يحول الصعوبات إلى دروس والتحديات إلى فرص والنقمة إلى نعمة بإذن الله .
وفي الختام أقول لا تنتظر النجاح وأنت جالس في مكانك ولا تنتظر أن تأتيك الفرصة وأنت لا تبحث عنها احلم ثم خطط ثم حاول وإذا تعثرت فانهض وإذا فشلت فتعلم وإذا تغيرت الظروف فتكيّف معها ولا تجعل الخوف من المجهول يمنعك من صناعة مستقبلك فكم من إنسان بدأت قصته من نقطة ظن الآخرون أنها نهاية الطريق فإذا بها تكون بداية النجاح .
يستطيع الإنسان بالمثابرة والإيمان بالله أن يقلب النقمة إلى نعمة وأن يحول التحديات إلى فرص وأن يصنع من ظروفه الصعبة قصة نجاح،بحول الله وقدرته وتوفيقه .
وتذكروا دائما بأن النجاح ليس شهادة تُمنح
فلا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس .
الجمعة: 11 سبتمبر 2026م .















