بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
على الساحل الشرقي لظفار، حيث يلتقي البحر بالجبل، وحيث تعانق مياه خور روري الزرقاء سفوح الطبيعة الخضراء، ترقد مدينة سمهرم التاريخية في هدوءٍ مهيب، كأنها أميرةٌ قديمة أنهكها الزمن لكنها ما زالت تحتفظ بجمالها وهيبتها وأسرارها.
وحين يقف الزائر فوق أطلالها الحجرية المطلة على البحر، لا يرى مجرد بقايا مدينةٍ اندثرت قبل قرون، بل يرى فصلاً كاملاً من تاريخ الإنسانية، حين كانت ظفار مركزاً للتجارة العالمية، وحين كان اللبان العُماني يبحر من هذه الأرض ليصل إلى معابد مصر وقصور روما وأسواق الهند والصين.
تقع سمهرم عند خور روري، شرق مدينة صلالة بنحو أربعين كيلومتراً، في موقعٍ استراتيجي فريد يجمع بين الميناء الطبيعي والحماية الجغرافية. وقد اختير هذا الموقع بعناية ليكون محطةً تجاريةً وميناءً بحرياً قادراً على استقبال السفن القادمة من مختلف أنحاء العالم القديم.
وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن مدينة سمهرم تأسست خلال القرون السابقة للميلاد، ويرجع تاريخ المدينة المحصنة المعروفة اليوم إلى القرن الثالث قبل الميلاد تقريباً، واستمرت مزدهرة حتى القرن الخامس الميلادي. وكانت تمثل أحد أهم المراكز التابعة لمملكة حضرموت في جنوب الجزيرة العربية، التي أدركت القيمة الاقتصادية الهائلة للبخور واللبان الظفاري.
وقد يخلط البعض بين تاريخ الموقع الأثري وتاريخ الاستيطان البشري في المنطقة المحيطة؛ فالأدلة الأثرية تشير إلى وجود نشاط بشري أقدم في محيط خور روري يعود إلى عصور أسبق، بينما المدينة المحصنة التي نعرفها باسم سمهرم ازدهرت ابتداءً من القرن الثالث قبل الميلاد.
لكن ما الذي جعل سمهرم بهذه الأهمية؟
الجواب يكمن في اللبان.
ففي زمنٍ لم يكن النفط معروفاً، كان اللبان هو كنز ظفار الأبيض. وكانت أشجار **اللبان العُماني (Boswellia sacra)** التي تنمو في جبال ظفار تنتج واحداً من أجود أنواع اللبان في العالم. وكانت هذه المادة العطرية الثمينة تُستخدم في الطقوس الدينية، وتحنيط الموتى، والعلاجات الطبية، وصناعة العطور، حتى أصبحت سلعةً استراتيجية تتنافس عليها الحضارات الكبرى.
ومن ميناء سمهرم كانت السفن تنطلق محملة باللبان نحو الهند وبلاد فارس وشرق أفريقيا وموانئ البحر الأحمر، ومنها إلى مصر وروما وبلاد البحر المتوسط. كما كانت القوافل البرية تحمل اللبان عبر طرق التجارة الشهيرة التي عُرفت لاحقاً باسم “طريق اللبان”، لتربط جنوب الجزيرة العربية بمراكز الحضارة في العالم القديم.
ولم يكن اللبان وحده بضاعة سمهرم، فقد كشفت الحفريات عن دلائل تؤكد وجود تجارة واسعة شملت النحاس والتوابل والمنسوجات والخزف والسلع القادمة من الهند وبلاد البحر المتوسط، مما يؤكد أن المدينة كانت حلقة وصل بين الشرق والغرب، ومركزاً للتبادل التجاري والثقافي بين الشعوب المختلفة.
وكانت سمهرم مدينة محصنة بأسوار قوية وأبراج دفاعية ومخازن ومستودعات ومرافق إدارية، مما يعكس أهميتها الاقتصادية والسياسية. وقد شُيدت على مرتفع صخري يطل على الخور والميناء الطبيعي، ليتمكن سكانها من مراقبة حركة السفن وحماية التجارة المزدهرة التي كانت تمر عبرها.
وعلى امتداد قرون طويلة، كانت المدينة تعج بالحياة. هنا يفرغ البحارة حمولاتهم القادمة من الهند، وهناك يتفاوض التجار على أسعار اللبان، وفي الساحات تتحرك القوافل القادمة من جبال ظفار محملة بخيرات الأرض. كانت سمهرم أشبه بمدينة عالمية صغيرة تجمع بين لغات وثقافات وأعراق متعددة، يجمعها هدف واحد: التجارة.
لكن كما يحدث لكثير من المدن العظيمة، بدأت سمهرم تفقد بريقها مع تغير الظروف الطبيعية والتجارية. فقد أدى تراكم الرمال وتغير طبيعة الميناء إلى تراجع أهميته البحرية، ومع تحول طرق التجارة إلى موانئ أخرى بدأت المدينة تدخل مرحلة الانحسار حتى هُجرت تدريجياً خلال القرن الخامس الميلادي.
وظلت أطلالها صامتة لقرون طويلة، حتى جاءت البعثات الأثرية الحديثة لتكشف للعالم أسرار هذه المدينة المدهشة، وتعيد كتابة فصل مهم من تاريخ ظفار وعُمان والتجارة العالمية القديمة. وقد أسفرت الحفريات عن اكتشاف مبانٍ وأسوار ونقوش وعملات وآثار تؤكد العلاقات التجارية الواسعة التي ربطت سمهرم بالهند والبحر المتوسط وجنوب الجزيرة العربية.
وفي عام ٢٠٠٠م أدرجت منظمة اليونسكو سمهرم، ضمن موقع **”أرض اللبان”** العالمي، إلى جانب البليد ووادي دوكة وشصر (أوبار)، اعترافاً بالقيمة الحضارية الاستثنائية لهذه المواقع التي جسدت واحدة من أهم شبكات التجارة في العالم القديم.
واليوم، يقف الزائر على أسوار سمهرم المطلة على خور روري، فيرى البحر ذاته الذي حمل سفن التجار قبل ألفي عام، ويرى الجبال نفسها التي نمت على سفوحها أشجار اللبان، ويشعر أن المكان ما زال يحتفظ بشيء من عبق الماضي.
إن سمهرم ليست مجرد مدينة أثرية، بل شهادة حية على الدور الذي لعبته ظفار في ربط الحضارات، وعلى المكانة التي احتلتها عُمان في التجارة العالمية قبل آلاف السنين. إنها مدينة حملت عطر اللبان من جبال ظفار إلى أطراف العالم، فحملت معها اسم عُمان وحضارتها وثقافتها.
وحين تهب نسائم البحر على أطلالها عند الغروب، يبدو وكأن حجارتها القديمة تهمس للزائر:
*”هنا كانت السفن ترسو، وهنا كان اللبان يعبر البحار، وهنا كتبت ظفار واحدة من أجمل صفحات التاريخ الإنساني.”*














