بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
في زمنٍ أصبحت فيه العيون تسبق العقول إلى الحكم على الناس، صار المظهر عند بعض البشر جوازَ عبورٍ إلى المكانة، وأصبحت السيارة الفارهة، والساعة الثمينة، والهاتف الحديث، والثوب الأنيق، والبيت الواسع، والأرقام المميزة، علاماتٍ يقرأها المجتمع أحيانًا قراءةً خاطئة؛ فيرفع صاحبها إلى مقامٍ لم تصنعه أخلاقه، ولم يبلغه بعلمه، ولم يستحقه بسيرته.
وهنا تبدأ الحكاية…
فليس كل من قاد سيارةً فارهة ثريًّا، ولا كل من سكن بيتًا كبيرًا سعيدًا، ولا كل من ارتدى ثوبًا غاليًا عزيزَ النفس، ولا كل من حمل هاتفًا باهظ الثمن يملك من الحياة أكثر مما يملكه غيره.
فبعض الناس لا يعيشون حياتهم كما هي، بل يعيشون الصورة التي يريدون للناس أن يروها.
يبني أحدهم حول نفسه مسرحًا كاملًا من المظاهر: سيارة لا تناسب دخله، ومنزل يفوق قدرته، وساعة اشتراها ليُسأل عنها، وهاتف يبدله كلما ظهر جديد، ورحلات وولائم وصور ينشرها ليقول للآخرين دون كلام: انظروا إليّ… أنا أملك.
ولكن السؤال الذي لا تراه الصور هو:
ماذا يملك حقًا؟
ربما كانت السيارة أقساطًا تثقل ظهره، والبيت دينًا يطارده، والساعة من مالٍ كان أولى بأسرته، والرحلة قرضًا سيدفع ثمنه شهورًا، والابتسامة التي تراها في الصورة تخفي وراءها قلقًا لا ينام.
إنها حياةٌ تُبنى أحيانًا من الخارج، بينما تتصدع من الداخل.
والأشد ألمًا أن المجتمع قد يشارك في صناعة هذا الوهم؛ فنحن أحيانًا نحترم المظهر قبل أن نعرف الجوهر. نفتح الأبواب لصاحب السيارة الفاخرة، ونلتفت لصاحب الثوب الأنيق، ونمنح صاحب المال الظاهر مساحةً أكبر من الاهتمام، قبل أن نسأل: ما عقله؟ ما خُلُقه؟ كيف يعامل الضعيف؟ ماذا يقول عنه أهله وجيرانه وزملاؤه؟ وهل ترك في حياة الناس أثرًا طيبًا؟
وكأن قيمة الإنسان أصبحت فيما يركب ويلبس ويحمل، لا فيما يفكر ويقول ويفعل.
وقد وضع القرآن ميزانًا آخر لا علاقة له بهذه الزينة كلها:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
الحجرات: 13.
فالكرامة الحقيقية لا تحتاج إلى لوحة سيارة مميزة، ولا إلى علامة تجارية مكتوبة على الثوب، ولا إلى منزل يراه الناس من بعيد. إنها شيء يسكن الإنسان؛ يظهر في صدقه، وأمانته، وتواضعه، ووفائه، وفي يده حين تمتد إلى محتاج، وفي لسانه حين يمتنع عن أذية الآخرين.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
رواه مسلم.
ما أصدق هذا الميزان؛ القلوب والأعمال، لا الصور والأموال.
وليس العيب بالطبع في أن يملك الإنسان سيارة جميلة، أو بيتًا واسعًا، أو ثوبًا فاخرًا، أو ساعة ثمينة إذا وسّع الله عليه من رزقه. فالنعمة ليست تهمة، والجمال ليس خطيئة. إنما تبدأ المشكلة حين تتحول الأشياء من نِعَم نملكها إلى أقنعة تختبئ خلفها نفوسنا، وحين نشتري ما لا نحتاج إليه، بمالٍ لا نملكه، لنثير إعجاب أناسٍ قد لا يعرفون حقيقتنا أصلًا.
وهنا يصبح المظهر سجنًا.
فمن صنع لنفسه صورة أكبر من حقيقته سيقضي حياته يحاول المحافظة عليها؛ يحتاج إلى سيارة أفخم، وهاتف أحدث، وثوب أغلى، وسفر أكثر، وصورة أجمل. وكلما ارتفع سقف الصورة التي رسمها أمام الناس، ارتفعت كلفة المحافظة عليها.
حتى يصبح أسيرًا لنظرات الآخرين.
يعمل ليرضيهم، ويشتري ليبهرهم، ويستدين حتى لا تنكسر الصورة أمامهم، بينما تتآكل راحته في الخفاء.
ولكن هناك لحظة لا يستطيع الإنسان فيها خداع أحد.
إنها اللحظة التي يعود فيها إلى بيته، ويغلق الباب خلفه، ويخلع ثيابه الفاخرة، ويضع ساعته وهاتفه ومفاتيح سيارته جانبًا، ثم يقف أمام المرآة وحده.
هناك تسقط الأسماء التجارية.
وتغيب السيارة خلف الباب.
ولا يبقى رقمها المميز معه أمام المرآة.
ولا مساحة البيت تستطيع أن تكبّر مساحة روحه.
هناك يقف الإنسان أمام نفسه مجردًا من كل ما استعاره من الأشياء ليصنع به مكانته.
فإن كان كريم الخلق، صادق اللسان، نقي القلب، حسن السيرة، وجد أمام المرآة رجلًا غنيًّا ولو كان قليل المال.
وإن كان مخادعًا، متكبرًا، سيئ الخلق، غارقًا في الديون من أجل الناس، فلن تستطيع أفخم سيارة في الشارع أن تغيّر الحقيقة التي يراها في المرآة.
فالمرآة لا تعرف ثمن الساعة التي ترتديها؛ إنها لا ترى إلا الإنسان الذي يرتديها.
وكم من إنسان بسيط الثياب، عادي المركب، صغير المنزل، إذا دخل مجلسًا دخلت معه الهيبة؛ لأن الناس يعرفون صدقه، ويثقون بكلمته، ويحفظون مواقفه.
وكم من إنسان تحيط به مظاهر الثراء من كل جانب، فإذا غابت عنه تلك المظاهر لم يبقَ شيء يستحق أن يُذكر.
الأول صنع قيمته بنفسه، والثاني حاول أن يستعير قيمته من ممتلكاته.
وهنا يكمن الفرق.
إن الأشياء تستطيع أن تمنحك مظهرًا، لكنها لا تستطيع أن تمنحك مقامًا.
يمكن للمال أن يشتري لك بيتًا واسعًا، لكنه لا يشتري لك أسرةً تحبك.
ويستطيع أن يشتري ساعةً ثمينة، لكنه لا يشتري لحظة راحة.
ويستطيع أن يضعك خلف مقود سيارة فاخرة، لكنه لا يستطيع أن يقودك إلى قلوب الناس.
ويستطيع أن يجعل الناس يلتفتون إليك لحظةً حين تمر، لكنه لا يستطيع أن يجبرهم على احترامك حين يعرفونك.
فالإعجاب بالمظهر لحظة، أما احترام الإنسان فسيرة عمر.
لهذا لا ينبغي أن يكون سؤالنا: ماذا سيرى الناس عندما أنزل من سيارتي؟
بل: ماذا سيبقى مني عندما أتركها؟
ولا: كم تبلغ قيمة ما أرتديه؟
بل: كم تبلغ قيمة الكلمة التي أقولها؟
ولا: كم شخصًا أدهشته مظاهري؟
بل: كم قلبًا كسبته بأخلاقي؟
فالإنسان الحقيقي لا يحتاج إلى الاختباء خلف شيء.
لا يحتاج إلى سيارة تتحدث عنه، ولا ساعة تعلن مكانته، ولا منزل يثبت قيمته؛ لأن سيرته تسبقه، وأخلاقه تعرّفه، ومواقفه تشهد له.
وإذا كان لا بد للإنسان أن يتزين بشيء، فليتزين بما لا يستطيع الزمن أن يسلبه منه:
بعلمٍ يرفعه،
وبأدبٍ يجمّله،
وبتواضعٍ يقربه من القلوب،
وبصدقٍ يجعل الناس يأمنونه،
وبتقوى تجعل له عند الله مقامًا.
أما بقية الأشياء، فمهما ارتفعت أثمانها، ستظل أشياء.
وفي نهاية الطريق، لن يُسأل المرء عن العلامة التي كانت على ثوبه، ولا عن رقم سيارته، ولا عن ثمن هاتفه؛ وستبقى سيرته بين الناس شاهدةً عليه: هل مرَّ بينهم إنسانًا أحبوه واحترموه، أم مجرد مظهرٍ لامعٍ أدهش العيون قليلًا… ثم انطفأ؟
فلا تختبئ خلف المظاهر؛ لأن المظاهر قد تخدع الناس لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تخدع المرآة حين تقف أمامها وحدك.
وحين تسقط الأقنعة كلها، لا يبقى من الإنسان إلا حقيقته.















