حادثة مدرسة التدريب…

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

بعض الحوادث داخل المدارس، تكشف اختلال العلاقة بين المجتمع والدولة والقانون. وحادثة مدرسة التدريب الحارة الثالثة بمحلية كرري تجاوزت خلافًا بين معلم وولي أمر، لتصبح قضية رأي عام تمس حرمة المدرسة، وكرامة المعلم، وسلامة التلميذ، وهيبة القانون، واستخدام السلاح داخل مؤسسة يفترض أن تكون عنوانًا للأمن والانضباط.

وبحسب بيان لجنة المعلمين السودانيين والنقابة العامة لعمال التعليم، تعرض معلم للاعتداء داخل حرم المدرسة وأثناء أداء عمله، بما يمس هيبة المعلم وحرمة المؤسسة التعليمية. في المقابل، قال والد التلميذ، اللواء الركن المتقاعد عادل الطيب الأمين، في بيان إن الواقعة بدأت بعد ضرب ابنه، البالغ 14 عامًا، من أحد المعلمين، وإن حضوره إلى المدرسة عقب اتصال نجله تطور إلى صدام أقر خلاله بإشهار سلاحه، قبل تدخل مدير المدرسة وانتهاء الموقف، وفق روايته، باعتذار المعلم داخل مكتبه.

وهنا ينبغي ألا تضيع الحقيقة بين روايتين متصارعتين. فالاعتداء على التلميذ، إذا ثبتت تفاصيله، يستوجب المساءلة، ولا يمكن أن يكون العنف وسيلة تربوية. وفي الوقت نفسه، فإن الاعتداء على المعلم داخل المدرسة وإشهار السلاح والتهديد لا يمكن تبريرها بالغضب أو برد الفعل. فالخطأ لا يمنح صاحبه تفويضًا بارتكاب خطأ أكبر، والمظلومية لا تحول الفرد إلى سلطة تنفيذ خارج القانون.

لكن جوهر القضية، إنها تكشف خللًا في المسار الإداري للحل . ففي الدولة الحديثة تبدأ المشكلة بشكوى، ثم تحقيق، ثم مساءلة، لا بصفعة أو تهديد أو سلاح. وحين تتجاوز الأسرة إدارة المدرسة، وتتجاوز المدرسة مسؤوليتها المهنية، ويتجاوز الجميع القانون، يصبح الخلاف الصغير مرآة لأزمة أكبر.

وهنا يكمن البعد الأخطر، فقد أفرزت الحرب منذ أبريل 2023 بيئة انتشر فيها السلاح، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، وتداخل المدني بالعسكري، حتى أصبح منطق القوة حاضرًا في الخلافات. والخطر أن تنتهي الحرب بينما تبقى ثقافتها حية. فإشهار السلاح داخل المدرسة ليس مجرد مخالفة أمنية، بل مساس باحتكار الدولة للقوة المشروعة، ويطرح سؤالًا مهم : من يملك سلطة الحسم حين تتعارض إرادات المواطنين؟

والمدرسة أخطر ساحات هذا الاختلال، فهي أول فضاء يتعلم فيه الطفل معنى النظام والقانون. فإذا رأى القوة تحسم الخلاف، هدم ما تبنيه التربية في سنوات، كما أن غياب الأمان عن المعلم والتلميذ يفرغ التعليم من رسالته. ومع ذلك، لا تعني حادثة كرري غياب الدولة، فقد تزامنت مع تخريج شرطة الجزيرة دورة متخصصة لحماية الأسرة والطفل، شارك فيها 30 دارسًا ودارسة، بما يعكس توجهًا للحكومة نحو تطوير منظومات الحماية.

لكن التحدي هو تحويل هذا الوعي من تدريب الشرطة إلى منظومة وقائية تبدأ قبل وقوع المشكلة، مع اهمية القواعد التي تحمي الطفل، وتنظم علاقة المعلم بولي الأمر، ومنظومة للتدخل المبكر. وهنا تصبح هذه الحادثة، اختبارًا لتكامل الأدوار: الشرطة تحمي، والتعليم يربي، والأسرة تتابع، والمدرسة تحتوي، ليصبح أمن الطفل مسؤولية مشتركة، لجميع الأطراف.

لذلك يجب أن تصبح حماية المدرسة جزءًا من أمن المنشآت وإعادة البناء، فالتعليم استثمار في الإنسان، والمعلم شريك أساسي في صناعة المستقبل. ومن ثم، ينبغي أن تحكم المدرسة قواعد واضحة، للمعلم حق التعليم والتوجيه دون عنف أو إهانة، ولولي الأمر حق المتابعة والمطالبة بالتحقيق دون ممارسة القوة أو إدخال السلاح، وللتلميذ حق التعليم الآمن والكرامة والحماية، مقابل التزامه باحترام المعلم والنظام المدرسي. فاستقرار هذه المعادلة هو حماية للعملية التعليمية والتربوية.

ولا تكتمل هذه المسؤوليات إلا بإجراءات واضحة: شكاوى فعالة، وتحقيق شفاف، وحماية قانونية للمعلم والتلميذ، ومنع السلاح داخل المدارس، وتفعيل حماية الطفل والتدخل المبكر. فالدولة مطالبة بمنع أسباب الحوادث لا الاكتفاء بمعاقبة مرتكبيها. وهنا يلتقي التعليم بمشروع الانتقال من منطق الحرب إلى التنمية، فلا اقتصاد منتج ولا رأس مال بشري في مجتمع تُحسم خلافاته بالقوة. لذلك يجب أن تُعامل حادثة مدرسة التدريب كقضية عامة تستوجب الحقيقة والعدالة، لا الانتقام أو الاصطفاف، وأن تكون فرصة لترسيخ قاعدة بسيطة: الجميع، مهما كانت صفته أو رتبته، يخضع للقانون.

وبحسب #وجه_الحقيقة، يجب النظر الي حادثة مدرسة التدريب بأنها ليست خلافًا بين معلم وولي أمر، بل اختبار لفكرة الدولة وسيادة القانون. قد يخطئ المعلم، ويُظلم التلميذ، ويغضب الأب، لكن الفيصل يجب أن يكون القانون لا القوة. وإذا كان السودان يستعد لمرحلة ما بعد الحرب، فعليه أن يبدأ بإعادة بناء ثقافة الدولة من المدرسة: تلميذ آمن، ومعلم مقدر، وولي أمر مسؤول، ومؤسسة مصانة، وقانون يسري على الجميع.

دمتم بخير وعافية

الثلاثاء 11 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24