تجّار الوهم يسرقون وعي الشعوب

بقلم: المستشار فادي حسين محمد أبو شاويش
فلسطين – غزة / الجمعة، 7 أغسطس 2026

لا تبدأ أزمات الشعوب دائمًا من نقص الموارد، ولا تنشأ الانهيارات الكبرى فقط بسبب الصراعات أو الضغوط الخارجية، بل قد تبدأ من لحظة أخطر: عندما يصبح الوهم أكثر انتشارًا من الحقيقة، وعندما تتحول الصورة المصنوعة إلى بديل عن الواقع، وعندما يُقاس الإنسان بما يروّج له عن نفسه لا بما يقدمه من علم وعمل وإنجاز.
في تلك اللحظة لا تُسرق الأموال فقط، بل تُسرق العقول، ويُختطف الوعي، ويصبح المجتمع أسيرًا لروايات براقة قد تخفي خلفها فراغًا في المعرفة والمسؤولية. فالمجتمعات لا تُهزم فقط عندما تفقد قوتها المادية، بل عندما تفقد قدرتها على التمييز بين الحقيقة وما يُراد لها أن تصدقه.
إن أخطر تجارة يمكن أن تواجهها الشعوب ليست تجارة الأشياء الملموسة، بل تجارة الأفكار الزائفة. إنها تجارة تقوم على استثمار حاجات الناس ومخاوفهم وآمالهم، وتحويلها إلى وسيلة لصناعة النفوذ وتحقيق المصالح الخاصة. وكلما ازدادت الأزمات، ازدادت فرص انتشار الوهم، لأن الإنسان في لحظات الألم يبحث عن الأمل، حتى لو كان ذلك الأمل مجرد كلمات بلا أساس أو وعود بلا قدرة على التنفيذ.
ويظهر تجار الوهم في صور متعددة؛ فقد يكونون أفرادًا، أو شخصيات عامة، أو أصحاب حضور إعلامي، أو قادة يملكون قدرة على التأثير. يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحلول الشاملة والخبرة في كل المجالات، لكن كثرة الحديث لا تصنع معرفة، والظهور لا يمنح بالضرورة كفاءة، والثقة في الأسلوب لا تعني دائمًا صدق المضمون.
ولا تكمن المشكلة في اختلاف الآراء، فذلك جزء طبيعي من حياة المجتمعات، وإنما في تحويل الرأي إلى حقيقة مطلقة، والشهرة إلى معيار للثقة، والتصفيق إلى بديل عن المحاسبة. فالمجتمع الذي يكافئ من يجيد صناعة الانطباع أكثر ممن يصنع الأثر، يفتح الباب أمام تراجع قيمة العلم والخبرة والمسؤولية.
وفي العصر الرقمي، أصبحت صناعة الوهم أكثر سرعة وانتشارًا. فقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الجميع قدرة واسعة على التعبير والتأثير، لكنها في الوقت نفسه جعلت انتشار المعلومة أسرع من قدرة الناس على التحقق منها. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج محتوى مقنع ومؤثر أكثر سهولة، مما يجعل الوعي والنقد والتحقق ضرورة لحماية المجتمعات من التضليل.
إن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في استخدامها لصناعة واقع زائف، أو تضخيم أصوات لا تستند إلى معرفة، أو منح التأثير لمن يملك القدرة على جذب الانتباه دون امتلاك القدرة على تقديم حلول حقيقية. فالعالم اليوم يحتاج إلى حرية التعبير، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى ثقافة تميز بين التعبير المسؤول والتضليل المتعمد.
وقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي سمحت للشعارات بأن تتقدم على الحقائق دفعت أثمانًا كبيرة. فالحضارات لم تُبنَ بالخطب الرنانة، وإنما بالعقول التي فكرت، والمؤسسات التي عملت، والقيادات التي تحملت مسؤوليتها أمام شعوبها. فالصورة قد تخدع للحظة، لكن الإنجاز وحده هو الذي يصمد أمام اختبار الزمن.
ولا يعني نقد ظاهرة بيع الوهم اتهام كل صاحب حضور أو تأثير، فهناك من يستخدمون مواقعهم لخدمة المعرفة والمجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشهرة إلى بديل عن الكفاءة، وعندما يصبح الخطاب العاطفي وسيلة لإخفاء غياب النتائج، وعندما تُستغل ثقة الناس لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة.
إن بناء الوعي يبدأ من احترام عقل الإنسان. فالمواطن ليس رقمًا في حسابات النفوذ، ولا جمهورًا للتصفيق، ولا أداة لصناعة مجد شخصي. إنه شريك في بناء المستقبل، ومن حقه أن يحصل على الحقيقة، وأن يقيّم الأشخاص والمشروعات بناءً على ما تحقق لا بناءً على ما قيل.
كما أن المسؤولية لا تقع على من يبيع الوهم فقط، بل تقع أيضًا على المجتمعات التي تمنحه مساحة دون مساءلة. فالأمم الواعية لا تقدس الأشخاص، بل تحاسب الأفكار، ولا تنبهر بالوعود، بل تبحث عن النتائج، ولا تجعل الانتماء حاجزًا أمام النقد، لأن النقد المسؤول وسيلة لحماية المجتمع من الانحراف.
إن الأمم التي نهضت لم تكن تلك التي غاب عنها الخطأ، بل تلك التي امتلكت القدرة على مراجعة نفسها، واحترام الحقيقة، وتقديم الكفاءة والعمل على الشعارات. فالمستقبل لا يصنعه من يملك أعلى صوت، بل من يملك أعمق رؤية وأكثر التزامًا بالإنسان.
ويبقى السؤال الذي يواجه العالم كله:
هل نبحث عن من يمنحنا ما نحب سماعه، أم عن من يملك الشجاعة ليقول الحقيقة ويعمل من أجلها؟
فالوهم قد ينجح في جذب الأنظار، وقد يحقق انتشارًا مؤقتًا، لكنه لا يستطيع بناء مستقبل. أما الحقيقة فقد تكون أبطأ، لكنها حين تصل تُسقط الأقنعة، وتكشف الفرق بين من صنعوا أثرًا في حياة الناس، ومن اكتفوا بصناعة صورة عن أنفسهم.
فالشعوب لا تفقد مستقبلها عندما ينقصها الأمل، بل عندما يصبح الوهم بديلًا عن الأمل الحقيقي.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24