بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
ليست المشكلة في أن يسكن الحاكم قصرًا، بل أن ينسى وهو في قصره البيوت التي يحكمها.
وليست المشكلة في أن تكون للدولة قوة وجيش وهيبة ونفوذ، بل أن يصبح المواطن آخر من تُحسب حساباته حين تُتخذ القرارات الكبرى.
فالتاريخ مليء بحكام امتلكوا الجيوش والقصور والخزائن، وخافتهم الشعوب والدول، وظن بعضهم أن قوته باقية، وأن أمره لا يُرد، وأن الوطن ملك له لا أمانة في عنقه.
ثم مضوا جميعًا.
لكن قبل أن يسقط الحاكم، كان الشعب قد دفع الثمن.
دفعه من خبزه، ومن أمنه، ومن بيته، ومن مستقبل أبنائه، وربما من دمه.
فالطغيان يبدأ في الأعلى… لكن آلامه غالبًا تنتهي في بيت الإنسان البسيط.
الحكم أمانة… لا امتياز
حين يتولى الإنسان أمر الناس، فإن مساحة مسؤوليته تكبر بقدر ما تكبر سلطته.
فالمسؤولية ليست كرسيًا أوسع، ولا موكبًا أطول، ولا لقبًا أفخم، ولا حرسًا أكثر.
إنها أمانة.
ولهذا جاء في القرآن الكريم:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
فقد جمع الله في آية واحدة بين الأمانة والعدل.
وكأن الحكم لا يستقيم بأحدهما دون الآخر.
ومن أجمل ما يُروى في معنى المسؤولية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خوفه من أن يُسأل عن دابة تضيع عند شاطئ الفرات.
وسواء تأملنا الرواية في ألفاظها المختلفة، فإن المعنى الذي ارتبط بسيرته في الوعي الإسلامي عظيم:
أن يشعر الحاكم بأن البعيد عنه ليس بعيدًا عن مسؤوليته.
وهنا تكمن المفارقة.
لم تكن هناك أقمار صناعية.
ولا هواتف ذكية.
ولا شبكات اجتماعية.
ولا قواعد بيانات إلكترونية.
ولا طائرات تنقلك من طرف البلاد إلى طرفها الآخر في ساعات.
ومع ذلك كان الخوف من المسؤولية حاضرًا.
أما اليوم، فيستطيع صاحب القرار أن يعرف خلال دقائق ما يحدث في أقصى بلاده.
يرى الصورة.
ويسمع الصوت.
وتصل إليه الأرقام والتقارير والإحصاءات.
فلم يعد بُعد المسافة عذرًا، ولا بطء الاتصال حجة.
ولهذا فإن المشكلة في زماننا ليست دائمًا في أن صوت المواطن لا يصل…
بل قد تكون المأساة أن صوته يصل، ولا يجد من يصغي إليه.
حين يصبح الوطن مشروعًا للحاكم
الطغيان يبدأ عندما ينسى الحاكم أنه يدير وطنًا، ويبدأ في التصرف وكأنه يملك الوطن.
حين تصبح مقدرات الدولة وسيلة لتحقيق طموحاته.
وحين تصبح المؤسسات لحماية موقعه بدل حماية حقوق الناس.
وحين يُقاس نجاح الدولة بمقدار ما يقال عن الحاكم، لا بمقدار ما يعيشه المواطن.
وهنا تتغير الأولويات.
قد يصبح المهم أن تبدو الدولة قوية أمام العالم، بينما يشعر بعض أبنائها بالضعف داخلها.
قد تتجه الأموال إلى مشروعات واستعراضات وصراعات يراها الحاكم ضرورية، بينما يقف مواطن في الجهة الأخرى عاجزًا أمام ثمن دوائه أو إيجار منزله أو تعليم أبنائه.
ولا يعني هذا أن كل إنفاق عسكري خطأ، ولا أن كل مشروع كبير تبذير، ولا أن على الدولة أن توزع أموالها كلها على الناس.
فالدولة تحتاج إلى الدفاع والأمن والبنية الأساسية والاستثمار والمستقبل.
لكن السؤال يبقى:
أين الإنسان في سلم الأولويات؟
المواطن لا يأكل الخطابات
قد يخرج المسؤول أمام الكاميرات ليحدث الناس عن الإنجازات.
وقد تمتلئ الشاشات بالأرقام.
وقد تقول التقارير إن الاقتصاد ينمو، وإن الدولة تتقدم، وإن المستقبل مشرق.
لكن هناك مقياسًا آخر لا يظهر دائمًا في الخطب.
ادخل بيت المواطن البسيط.
افتح ثلاجته.
اسأله عن إيجاره.
وعن دواء والديه.
وعن تعليم أبنائه.
وعن عمله.
وعن ديونه.
وعن شعوره بالأمان تجاه الغد.
هناك ستعرف جزءًا مهمًا من حقيقة الوطن.
فحقيقة الدولة لا تُرى من نافذة القصر فقط… بل من نافذة بيت المواطن البسيط.
ولا يستطيع أي خطاب أن يجعل الجائع شبعانًا.
ولا يستطيع إعلان رسمي أن يجعل العاطل موظفًا.
ولا تستطيع الأرقام وحدها أن تقنع أمًّا لا تجد دواء طفلها بأن كل شيء على ما يرام.
فالإنجاز الحقيقي هو الذي يجد المواطن أثره في حياته، لا الذي يسمع عنه فقط.
ليس كل فقير ضحية حاكم
والعدل يقتضي هنا ألا نحمل الحكام ما لا يحتملون.
ليس كل فقر سببه الحاكم.
ولا كل بطالة نتيجة استبداد.
ولا كل ارتفاع في الأسعار سببه قرار سياسي داخلي.
ولا توجد حكومة تستطيع أن تمنع المرض والكوارث وتقلبات الاقتصاد والحروب العالمية وكل أزمات الحياة.
وقد يخطئ المواطن نفسه في إدارة ماله، وقد تتعرض الدولة لأزمة لا يد لها فيها.
الإنصاف واجب حتى ونحن ننتقد.
لكن الفرق كبير بين دولة تواجه أزمة وتحاول حماية شعبها منها، وبين سلطة تعرف أن الناس يعانون، وتملك شيئًا من القدرة على تخفيف معاناتهم، ثم تجعل حاجاتهم آخر اهتماماتها.
هنا تبدأ المسؤولية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا.
حين يدفع الفقير ثمن قرارات لم يصنعها
من المفارقات المؤلمة أن المواطن البسيط قد يكون أبعد الناس عن صناعة القرار، لكنه من أسرع الناس تأثرًا بنتائجه.
قرار حرب يُتخذ في غرفة مغلقة…
لكن الأب يشعر به في سعر الوقود.
وقرار اقتصادي يُوقّع على ورقة…
لكن الأم تراه في فاتورة البيت.
وصراع سياسي بين الكبار…
لكن العامل قد يدفع ثمنه في وظيفته.
وقد يختلف الحكام على النفوذ والحدود والمصالح، ثم يحمل الإنسان العادي أبناءه هاربًا من بيته.
الحاكم يستطيع أحيانًا أن يوقع القرار بقلم… لكن الشعب قد يقضي سنوات يسدد ثمن ذلك التوقيع.
ولهذا فإن أعظم القرارات ليست تلك التي تظهر فيها قوة صاحبها، بل تلك التي يظهر فيها شعوره بثقل حياة الناس التي ستتأثر بها.
الطغيان لا جنسية له
والاستبداد ليس شرقيًا ولا غربيًا.
ليس عربيًا ولا أعجميًا.
ولا يرتبط بلون أو قومية أو حضارة بعينها.
لقد عرفه التاريخ في أمم شتى، وتحت رايات مختلفة، وبأسماء وشعارات متعددة.
فالإنسان حين تُفتح أمامه أبواب السلطة بلا محاسبة قد ينسى، أيًا كان اسمه أو وطنه، أن الذين يراهم أرقامًا في التقارير هم بشر.
الطغيان لا وطن له… كما أن الجوع لا يسأل الفقير عن جنسية الحاكم الذي أوصله إليه.
ولذلك لا ينبغي أن يتحول حديثنا عن عدل الحكم إلى خصومة مع شعب أو دولة أو حضارة.
فالشعوب في كثير من الأحيان هي التي تدفع ثمن أخطاء من يحكمونها.
أخطر ما يسمعه الحاكم
ربما لا تكون أخطر الكلمات التي يسمعها الحاكم كلمات المعارضين.
قد تكون أخطر جملة يسمعها كل صباح:
«كل شيء بخير يا سيدي.»
فالسلطة التي لا تسمع إلا المديح تفقد تدريجيًا قدرتها على رؤية الحقيقة.
والمسؤول الذي يحيط نفسه بمن يخبرونه بما يحب أن يسمع، قد يعيش في دولة مختلفة تمامًا عن الدولة التي يعيش فيها شعبه.
هو يرى التقارير.
والمواطن يرى الأسعار.
هو يسمع عبارات النجاح.
والمواطن يسمع أبناءه يطلبون ما لا يستطيع توفيره.
هو يرى الصورة من الأعلى.
والمواطن يعيش تفاصيلها في الأسفل.
ولهذا فإن الحاكم العادل لا يحتاج فقط إلى مستشار يقول له ما أنجز…
بل إلى من يملك الشجاعة أن يقول له:
هنا أخطأنا، وهنا يتألم الناس.
الخوف من الشعب… والخوف على الشعب
هناك فرق هائل بين حاكم يخاف من شعبه، وحاكم يخاف على شعبه.
الأول قد يسأل:
كيف أحافظ على سلطتي؟
والثاني يسأل:
كيف أحافظ على الأمانة؟
الأول يقلقه ارتفاع أصوات الناس.
والثاني يقلقه ارتفاع أنينهم.
الأول يريد المواطن مطيعًا.
والثاني يريده آمنًا كريمًا قادرًا على العيش.
وهنا تظهر حقيقة الحكم.
فالحاكم العادل لا يخاف من شعبه… بل يخاف على شعبه.
ماذا لو كان عمر بيننا؟
لو تأملنا معنى المسؤولية الذي نُقل عن عمر رضي الله عنه، ثم نظرنا إلى إمكانات عصرنا، لوجدنا سؤالًا يستحق الوقوف عنده.
إذا كان رجل في ذلك الزمن يخشى أن يُسأل عن دابة تضيع في مكان بعيد…
فكيف بمن يرى إنسانًا يجوع أمامه اليوم؟
كيف بمن تصل إليه شكوى المواطن بالصوت والصورة؟
كيف بمن يعرف أن أسرة لا تجد مسكنًا؟
أو أن مريضًا ينتظر علاجًا؟
أو أن أبًا قادرًا على العمل لا يجد فرصة؟
لا نقول إن الحاكم يستطيع حل كل مشكلة.
لكننا نقول إن الإحساس بالمسؤولية يجب أن يسبق القدرة على حلها.
فقد تعجز عن مساعدة الجميع…
لكن المصيبة أن تكف عن الشعور بهم.
العدل لا يعني أن يصبح الجميع أغنياء
الدولة العادلة ليست دولة لا يوجد فيها فقير أو مريض أو عاطل؛ فهذا تصور لا تعرفه الحياة.
لكن الدولة العادلة هي التي لا تجعل الضعيف غير مرئي.
والتي تضع الأنظمة لتمنع سقوط الإنسان قدر استطاعتها.
والتي إذا أخطأت راجعت.
وإذا قصرت أصلحت.
وإذا اشتكى الناس استمعت.
وإذا اختلف معها أحد لم تعتبر اختلافه خيانة.
والتي تعرف أن قوة الوطن ليست في مبانيه وحدها…
بل في مقدار الكرامة التي يشعر بها الإنسان وهو يعيش بينها.
حين يكتب التاريخ الصفحة الأخيرة
كم من حاكم ظن يومًا أن عرشه لن يهتز.
وكم من قائد ملأت صوره الشوارع.
وكم من صاحب سلطة أحاط نفسه بالحرس والجنود، حتى خُيّل إليه أن التاريخ نفسه سيقف عند بابه طالبًا الإذن.
ثم مر الزمن.
رحل الحرس.
وسقطت الصور.
وتغيرت الأعلام.
وبقيت الصفحات.
والتاريخ لا يسأل الحاكم فقط:
كم جيشًا امتلكت؟
وكم حربًا خضت؟
وكم قصرًا بنيت؟
وكم دولة خافت منك؟
بل هناك سؤال أشد:
كيف عاش الناس في عهدك؟
هل كانوا يخافون منك…
أم يأمنون بك؟
هل أكلوا؟
هل تعلم أبناؤهم؟
هل وجد مريضهم علاجًا؟
هل نام الفقير وهو يشعر أن هناك دولة لن تتركه يسقط؟
فالقصور تُبنى ثم تهدم.
والعروش تقوم ثم تزول.
والألقاب التي كانت ترتجف لها المجالس تصبح يومًا سطرًا صغيرًا في كتاب.
أما الإنسان الذي حملت أمانته…
فهو الشاهد الحقيقي على عدلك أو ظلمك.
ولهذا فإن عظمة الحاكم لا تُقاس بمقدار ما يخشاه الناس، ولا بعدد صوره، ولا بطول موكبه، ولا بارتفاع صوته…
إنما تُقاس بمقدار ما يأمن الناس في عهده.
فإذا كان عمر رضي الله عنه يخشى السؤال عن دابة تضيع بعيدًا عنه، فكيف بمن يسمع أنين إنسان تحت مسؤوليته ثم ينام مطمئنًا؟
الحكم ليس تشريفًا فقط…
إنه تكليف.
والسلطة ليست أن تستطيع أن تفعل ما تريد…
بل أن تعرف أن هناك أشياء تستطيع فعلها، ثم يمنعك العدل والأمانة من فعلها.
وفي النهاية، قد يستطيع الحاكم أن يكتب روايته عن نفسه…
لكن الشعوب هي التي تكتب الصفحة التي تبقى بعده.
وحين يطغى الحاكم… فإن أول من يدفع الثمن ليس القصر، بل الشعب.















