“تجربة حياة “حين غيّرت كلمةٌ واحدة مسار حياة

بقلم: الأستاذة نور بنت حسن الغسانية
رئيسة جمعية المرأة العمانية بصلالة
هناك لحظات في الحياة لا تحتاج إلى معجزات، بل إلى إنسان يؤمن بقدرات الآخرين، ويزرع في نفوسهم الأمل عندما توشك جذوة الطموح على الانطفاء. فالكلمة الصادقة قد تكون بداية طريق جديد، والنصيحة المخلصة قد تعيد بناء إنسان كان يظن أن أبواب الحياة قد أُغلقت في وجهه. ولعل أجمل ما يتركه الإنسان في هذه الدنيا ليس ما يملكه، بل الأثر الطيب الذي يزرعه في قلوب الآخرين، فيمنحهم القوة للمضي نحو مستقبل أفضل. ومن هذه المواقف الإنسانية، تبقى بعض التجارب شاهدة على أن احتواء الإنسان قد يغيّر مستقبله بأكمله.
في إحدى التجارب التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، جاءني شاب عُماني خريج جامعة السلطان قابوس، وقد بدت عليه علامات الحزن والإحباط. كان يحمل همومًا أثقلت قلبه، ويتحدث وكأنه فقد ثقته بنفسه وبالحياة. قال لي إنه تخرج منذ سنوات، ولم يجد فرصة عمل، وإن شعوره باليأس يزداد يومًا بعد يوم. وكان أكثر ما آلمني في حديثه أنه لم يكن يشكو من تأخر الوظيفة بقدر ما كان يشعر بأن أحلامه بدأت تتلاشى أمام عينيه.
تركته يتحدث حتى أفرغ ما في صدره، ثم قلت له بهدوء: نحن نفخر بكم، فأنتم شباب عُمان وأمل مستقبلها. صحيح أنك تخرجت، لكنك لست الوحيد؛ فهناك آلاف الخريجين الذين ينتظرون فرصهم. غير أن الإنسان الناجح هو من يصنع نفسه بنفسه، ولا يجعل انتظار الوظيفة يوقف مسيرة تطوره. فالحياة لا تتوقف عند بابٍ أُغلق، وإنما تفتح أبوابها لمن يواصل السعي ويؤمن بقدراته.
حدثته عن أهمية استثمار الوقت في تنمية الذات، واكتساب المهارات، وتوسيع الثقافة، ومعرفة قضايا الوطن، والاستفادة من كل فرصة للتعلم. وأكدت له أن الشهادة وحدها لا تصنع النجاح، بل الأخلاق، والاحترام، والانضباط، وحسن التعامل مع الناس، والثقة بالنفس. فالعلم الحقيقي لا يمنح الإنسان شهادة فحسب، بل يبني شخصيته ويهذب سلوكه ويمنحه القدرة على خدمة وطنه ومجتمعه. فالنجاح رحلة متواصلة، تبدأ من داخل الإنسان قبل أن يراها الآخرون في إنجازاته.
كانت جلسة مليئة بالحوار الصادق والتوجيه، حاولت خلالها أن أزرع في نفسه الأمل، وأن أغير نظرته إلى الحياة. كما وعدته بأن أبذل ما أستطيع لمساعدته في الوصول إلى فرصة عمل، لكنني شددت عليه أن يبدأ أولًا ببناء نفسه والاستعداد لكل فرصة قادمة. فما يسبق الفرصة هو الاستعداد لها، ومن يستثمر وقته في تطوير ذاته يكون أكثر قدرة على اغتنامها عندما تأتي.
وبفضل الله، لم تمضِ فترة حتى حصل على وظيفة في إحدى الجهات، ثم واصل مسيرته بإصرار واجتهاد. ومع مرور الوقت، أصبح يشغل موقعًا مرموقًا، واختلفت شخصيته تمامًا. تزوج، ورُزق بالأبناء، وأصبح عضوًا فاعلًا في مجتمعه، يقدم الخير ويؤدي عمله بإخلاص. وكانت سعادتي الحقيقية أن أرى اليأس الذي كان يملأ عينيه قد تحول إلى ثقة، وأن الشاب الذي جاء مثقلًا بالإحباط أصبح مصدر إلهام لكل من يعرفه.
كلما تذكرت هذه التجربة، أيقنت أن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى من يوقظ داخله الأمل أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر. فالكلمة الطيبة، والتوجيه الصادق، والثقة بالإنسان، قد تكون نقطة التحول التي تنقله من الإحباط إلى النجاح. فالنفوس تُبعث فيها الحياة بكلمة صادقة، كما تذبل بكلمة محبطة، ولذلك تبقى مسؤولية الكلمة من أعظم المسؤوليات الإنسانية.
إن هذا الشاب اليوم يمثل نموذجًا مشرفًا للشاب العُماني الطموح، الذي لم يستسلم لليأس، بل جعل من الصبر والعمل والإيمان بالنفس طريقًا إلى النجاح. وما أجمل أن نمنح الآخرين الأمل، فربما تكون كلمة صادقة سببًا في صناعة مستقبل إنسان، وبناء أسرة، وإضافة طاقة إيجابية جديدة إلى وطن يستحق من أبنائه كل عطاء.
وكما أن الأوطان تنهض بعطاء أبنائها وإخلاصهم، فإن أبناءها يستحقون من أوطانهم كل احتواء ورعاية، وأن يجدوا من يؤمن بقدراتهم، ويفتح أمامهم أبواب الفرص، ويمنحهم الثقة ليكونوا شركاء حقيقيين في مسيرة البناء والتنمية. فبناء الإنسان هو أعظم استثمار، والإنسان الواثق بنفسه هو الركيزة التي يُبنى عليها مستقبل الأوطان.
ولعل أجمل ما نتعلمه من هذه التجربة أن الخير الذي نقدمه للناس، مهما بدا بسيطًا، قد يمتد أثره لسنوات طويلة، ويصنع قصص نجاح لم نكن نتوقعها. فالوطن يحتضن أبناءه، والأبناء يبادلون أوطانهم الوفاء والعطاء، وبهذه العلاقة الصادقة تزدهر المجتمعات، ويكبر الأمل، ويصبح النجاح قصة تتجدد مع كل إنسان آمن بنفسه، ووجد من يؤمن به.
دمتُم بمحبة وسلام.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24