بـقلم ليلى عمر
في هذه الحياة، نحتاج أن نتغاضى كثيراً حتى يدوم الود وتستمر العشرة وتتجمل الحياة لراحة القلوب.
بين البصر والبصيرة نقف مذهولين أمام سؤال خفي: هل هما نقيضان كي يتبين أننا نرى ونفهم، لكننا نتوارى ليدوم الودّ؟
هناك مسافة شفافة تفصل بين العجز عن رؤية الأشياء، وبين اتخاذ القرار الواعي بإسدال الستار عليها. حين نختار ألا نرى، لا يعني ذلك أننا فقدنا البصر، فالعماء الحقيقي هو عماء الروح التي تستهلك نفسها في تتبع العثرات. أما ما نمارسه فهو اليقظة الكاملة التي ترتدي ثوب التجاهل عن وعي؛ إنه تمرين رفيع لأعلى درجات البصيرة لغض الطرف، حراسةً للروح من تآكل التفاصيل.
نحن لسنا في حالة غفلة حين نمرّ بالزلات كأننا لم نلحظها، بل نختار بإرادة صلبة إغلاق الأبواب بوجه التفاصيل المؤذية. في العلاقات الطويلة، نكتشف أن تدقيق النظر في كل شائبة يعني تدمير الجسور التي تعبنا في بناها. بعض المواقف تشبه الغبار العابر؛ إن وقفت عنده وأنكرته تصاعد في عينيك فأعماك، وإن تركته هادئاً تلاشى. من هنا يأتي الاختيار: إما أن نكون حراساً لكل هفوة فنخسر طمأنينتنا، وإما أن نكون حراساً للودّ فنختار العبور بسلام.
حماية السلام الداخلي تتطلب شجاعة تفوق شجاعة المواجهة؛ شجاعة تجعلك تبتلع الكلمة الجارحة وأنت تملك حق الرد، وتغمض عينيك عن تقصير تراه بوضوح، لا لشيء إلا لأنك تقدر قيمة الإنسان أكثر من حجم خطئه. هذا التغافل النبيل يمنح الطرف الآخر فرصة للتنفس، ويمنحنا رفعة النفس وسعة الصدر، مؤكدين أن الوصل أطهر من أن يُدنس بالعتب اليومي.
إن الحياة أضيق من أن نضيع أوقاتنا في تفسير النوايا ومحاكمة الكلمات العابرة. صفاء القلوب هو الثروة الوحيدة التي لا تعويض لها، وخسارة معركة تافهة من أجل كسب عتب هي خسارة فادحة للسلام. التغاضي هو التاج الحقيقي لمن يبحث عن راحة البال، والتغابي الواعي هو ذروة الذكاء العاطفي.
على هذا الرصيف الممتد من أعمارنا، سنظل نختار تلك البصيرة النافذة التي تعلم متى تنظر ومتى تغمض عينها؛ فبعض الإضاءات مؤذية، وبعض العمى الاختياري هو النور الذي يحفظ قلوبنا من الصدأ. موقنين بأن التجاوز أسمى صور الوفاء، وحينها فقط ندرك سر التواري الجميل؛ فنحن لا نغيب عجزاً، بل نتوارى حباً ليبقى الودّ عذباً نقياً.















