بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
يدخل موظفان إلى المؤسسة في عام واحد.
يعمل الأول، ويتعلم، ويجمع الخبرة عامًا بعد عام. يلتحق بالدورات، ويحصل على المؤهلات، ويتحمل المسؤولية، ويثبت نفسه في المواقف الصعبة. وكلما تعب قال في نفسه:
سيأتي اليوم الذي يتحدث فيه عملي عني.
أما الآخر، فقد يكون أقل خبرةً وإنجازًا، لكنه يمتلك شيئًا لم يكن موجودًا في السيرة الذاتية للأول:
يعرف الشخص المناسب.
ثم تأتي الوظيفة أو الترقية أو الفرصة…
فيتقدم الثاني، ويبقى الأول مكانه.
وفي تلك اللحظة، لم يُظلَم موظف واحد فحسب؛ بل وصلت إلى كل من شاهد المشهد رسالة أشد خطرًا من قرار الترقية نفسه:
قد لا يكون المهم دائمًا ماذا تعرف… بل مَن تعرف.
*ومن هنا تبدأ الحكاية.*
الواسطة ليست كلها سواء
من الإنصاف أولًا ألا نضع كل مساعدة للآخرين تحت اسم المحسوبية.
أن تدل إنسانًا على وظيفة شاغرة، أو تنصحه، أو تعرّفه بجهة، أو تشهد بكفاءته التي تعرفها، ثم يدخل المنافسة وفق المعايير نفسها التي يخضع لها الآخرون، فليس هذا هو موضع حديثنا.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى مفتاح يتجاوز به الإنسان الطابور.
حين يأخذ غير المستحق حق المستحق.
وحين يصبح القريب أولى من الكفء.
وحين تُمنح الوظيفة أو الترقية أو الدورة أو المهمة أو المكافأة لأن فلانًا يعرف فلانًا، لا لأنه الأجدر بها.
هناك تتحول المساعدة من باب للخير إلى باب للظلم.
المظلوم ليس شخصًا واحدًا
أخطر ما تفعله المحسوبية أنها لا تظلم الشخص الذي حُرم من الفرصة فقط.
إنها تربي المؤسسة كلها.
فحين يرى الموظف المجتهد أن زميلًا أقل منه أداءً يتقدم عليه بالعلاقات، يبدأ سؤال صغير ينمو داخله:
لماذا أتعب؟
لماذا أحصل على شهادة أخرى؟
لماذا أبادر؟
لماذا أتحمل مسؤوليات إضافية؟
لماذا أبدع إذا كانت النتائج لا ترتبط بما أقدمه؟
وهكذا قد تخسر المؤسسة شيئًا لا يظهر في التقارير بسهولة:
حماس موظفيها.
فالإنسان يستطيع أن يعمل وهو متعب، لكنه يصعب أن يبدع طويلًا وهو مقتنع بأن جهده لا يغيّر شيئًا.
وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن أنظمة الخدمة والتوظيف القائمة على الجدارة تساعد على بناء ثقافة نزاهة، بينما تحمي المعايير الموضوعية والشفافة الوظائف من المحاباة والمحسوبية والتدخل غير المشروع.
حين يرحل الأكفأ بصمت
ليس كل مظلوم يرفع صوته.
بعضهم يصبر.
وبعضهم يتظلم.
وبعضهم يحاول مرة أخرى.
لكن أخطرهم بالنسبة للمؤسسة هو الذي يصمت ثم يرحل.
يجمع شهاداته وخبراته وسنوات عمله، ويبحث عن مؤسسة أخرى أو شركة منافسة، وربما عن بلد آخر يفتح له بابًا يناسب قدراته.
ثم نقول:
لقد خسرنا كفاءةً ممتازة.
لكن السؤال الأصدق:
هل خسرناها… أم دفعناها نحن إلى الرحيل؟
وهنا تصبح المحسوبية أكثر من مشكلة أخلاقية؛ تصبح مشكلة في إدارة رأس المال البشري.
فالأوطان والمؤسسات تنفق سنوات وأموالًا على تعليم أبنائها وتدريبهم، ثم قد تفقد بعض أفضلهم عندما يشعرون أن طريق التقدم لا تحكمه الكفاءة وحدها.
وتشير أدبيات البنك الدولي حول القوى العاملة العامة إلى أهمية الجدارة في استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، وأن ممارسات الإدارة والتوظيف تؤثر في أداء العاملين وفي جودة المؤسسات والخدمات.
وقد تظلم الواسطة مَن خدمته
وهناك وجه آخر قلما نتحدث عنه.
حين تضع الواسطة شخصًا في موقع أكبر من قدراته، فقد تكون قد ظلمته أيضًا.
يجد نفسه أمام مسؤوليات لم يستعد لها.
وقرارات لا يمتلك الخبرة الكافية لاتخاذها.
وموظفين تحته ربما يفوقونه معرفة وتجربة.
وهنا قد يبدأ بالخوف من الكفاءات بدل الاستفادة منها.
فيهمش هذا.
ويقرب ذاك.
ويختار من يوافقه بدل من يصارحه.
ثم تبدأ دائرة مؤلمة:
محسوبية جاءت بغير الأكفأ، فنتجت عنها قيادة ضعيفة، ثم هُمِّشت الكفاءات، فتراجع الأداء، فرحل بعض المجتهدين، فازدادت المؤسسة ضعفًا.
وهكذا قد تبدأ المشكلة بتوقيع صغير على قرار…
وتنتهي بثقافة كاملة.
*الثقة… أول الضحايا*
إذا تقدم عليك شخص يستحق أكثر منك، فقد تحزن، لكنك تستطيع احترام النتيجة.
تقول:
كان أفضل مني هذه المرة، وسأعمل لأكون أفضل في المرة القادمة.
أما عندما لا تعرف لماذا اختير فلان، ولماذا استُبعد الآخر، تبدأ الأسئلة:
من يعرف؟
من رشحه؟
من يقف خلفه؟
ولماذا لم تُعلن المعايير؟
وهنا تصبح الخسارة أكبر من وظيفة أو ترقية.
تُفقد الثقة.
وحين يفقد الموظفون ثقتهم بعدالة النظام، يصبح كل قرار موضع شك، حتى القرارات العادلة نفسها.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الشفافية مهمة؛ فهي لا تحمي المظلوم وحده، وإنما تحمي سمعة القرار العادل أيضًا. وتربط OECD بين العمليات القائمة على الجدارة والنزاهة والثقة، وتوصي بمعايير موضوعية وشفافة وآليات للمراجعة والتظلم.
العدل لا يعني المساواة في النتائج
وهنا ينبغي أن نقول شيئًا مهمًا:
العدل لا يعني أن يحصل الجميع على الترقية.
ولا أن يتساوى الموظفون في المكافآت.
ولا أن يأخذ الجميع المناصب نفسها.
فالناس يختلفون في الكفاءة والخبرة والجهد والإنجاز.
العدل هو أن يعرف الجميع قواعد السباق قبل أن يبدأ.
وأن تكون المعايير واحدة.
وأن يحصل الأفضل وفق تلك المعايير على الفرصة، سواء كان قريبًا من المسؤول أم لا يعرفه أصلًا.
فالعدالة ليست أن نعطي الجميع الشيء نفسه…
*بل أن نعطي الجميع فرصةً نزيهة لإثبات استحقاقهم.*
*الإسلام… والأمانة قبل القرابة*
وقد وضع القرآن قاعدة عظيمة تصلح للوظيفة كما تصلح لكل مسؤولية:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
[النساء: 58].
وتأمل قوله:
﴿إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.
فالموقع أمانة.
والوظيفة أمانة.
والترقية أمانة.
واختيار الموظف أمانة.
وحين تُسلَّم المسؤولية إلى إنسان لا لأنه أهل لها، وإنما لأنه قريب أو صديق أو صاحب نفوذ، فالمشكلة لم تعد إدارية فقط؛ إنها مسألة أمانة وعدل.
والقرآن يرفع معيار العدل إلى مستوى أشد، فيقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾
[النساء: 135].
أي إن القرابة نفسها لا ينبغي أن تهزم العدل.
لكن لا تجعل الظن محكمة
ومن العدل أيضًا ألا نتهم كل ناجح بأنه وصل بالواسطة.
فقد يكون ابن المسؤول أكفأ المتقدمين.
وقد يحصل شخص يعرف الإدارة على الترقية لأنه يستحقها فعلًا.
وقد نجهل نحن تفاصيل التقييم.
لذلك لا ينبغي أن تتحول محاربة المحسوبية إلى ظلم آخر قائم على الشائعات وسوء الظن.
نحن نحارب النظام غير العادل، لا أسماء الناس.
والحل ليس في الاتهامات، وإنما في جعل الإجراءات واضحة إلى درجة تقل معها مساحة الشك:
معايير معلنة، وتقييم موثق، ومقابلات منظمة، ولجان مستقلة قدر الإمكان، وإدارة جادة لتضارب المصالح، وحق في التظلم والمراجعة، وتفسير واضح للقرارات المهمة.
فكلما كانت الأبواب شفافة، ضاقت النوافذ التي تدخل منها المحسوبية.
*حين يصبح مَن تعرف أهم مما تعرف*
إن أخطر ما يمكن أن يسمعه شاب في بداية حياته المهنية ليس:
«أنت بحاجة إلى مزيد من الخبرة.»
فهذه يستطيع اكتسابها.
ولا:
«تحتاج إلى مؤهل أعلى.»
فيمكنه الدراسة.
ولا:
«عليك أن تعمل أكثر.»
فيستطيع الاجتهاد.
إنما أخطر رسالة هي:
«تحتاج إلى شخص يعرفك.»
لأنها تقتل داخله الإيمان بأن مستقبله يمكن أن يصنعه بعلمه وعمله.
والمجتمع الذي يريد التقدم لا يستطيع أن يقول لأبنائه في المدارس: اجتهدوا، ثم يقول لهم في أبواب الوظائف والمناصب، بطريقة غير مباشرة: ابحثوا عمّن تعرفون.
فحين يتقدم الأكفأ، لا يفوز شخص واحد فقط…
تفوز المؤسسة.
وحين يُعطى المستحق حقه، لا نفرح له وحده…
بل نرسل رسالة إلى كل من يعمل بصمت أن الاجتهاد له قيمة.
أما حين يتقدم غير المستحق بالمحسوبية، فلا يُظلَم شخص واحد فقط…
بل تُهزم قيمة الاجتهاد في عيون كل من شاهد المشهد.
ولذلك فإن محاربة الواسطة والمحسوبية ليست حربًا على العلاقات الإنسانية، ولا على مساعدة الناس.
إنها دفاع عن شيء أكبر:
أن يبقى للعلم معنى، وللخبرة وزن، وللاجتهاد ثمرة، وللعدل مكان.
فالأوطان لا تبني مستقبلها بمن يعرف الطريق المختصر إلى أصحاب القرار…
بل بمن يعرف عمله، ويتقنه، ويستحق المكان الذي وُضع فيه.















