الثقافة السياسية عند التركمان في العراق: أزمة وعي أم أزمة بنية؟

بقلم: أكرم سلمان
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1920 والشعب التركماني، ثالث مكون أساسي في البلاد، يراوح في مكانه سياسيا. قضية عادلة، وتاريخ عريق يمتد لمئات السنين في كركوك وتلعفر وأربيل وكفري وطوزخورماتو، لكن دون نتائج تتناسب مع حجم التضحيات. لماذا؟
كثيرون يختصرون الجواب بعبارة “يفتقر التركمان للثقافة السياسية”. والعبارة صحيحة جزئيا، لكنها ظالمة إذا لم نفهم جذورها.
أولا: الانسحاب المبكر من ساحة الدولة الجديدة
بعد انهيار الدولة العثمانية، وجد التركمان أنفسهم أمام معادلة جديدة. من نخبة حاكمة وإدارية في الولايات العثمانية إلى أقلية قومية في دولة عربية الهوية. رد فعل الكثير من العائلات التركمانية المتعلمة كان الانكفاء نحو التجارة والتعليم والطب وترك السياسة لأهلها، خوفا من تهمة الولاء لتركيا.
في وقت كان فيه الآخرون يؤسسون أحزابا وعشائر مسلحة وميليشيات، كان التركمان يؤسسون مدارس ومتاجر. وهذا أعطاهم تفوقا اجتماعيا واقتصاديا، لكنه أفقدهم أدوات الصراع السياسي في دولة لم تكن يوما دولة مؤسسات مدنية بالكامل.

ثانيا: عقدة البعث والتهميش الممنهج
أخطأ التركمان في البداية عندما تعاملوا مع حزب البعث بريبة وشيطنة مبكرة، وهذا صحيح. لكن رد فعل البعث كان أقسى بكثير. بعد أن أدرك النظام أهمية كركوك ونفطها، تحولت النظرة للتركمان من مكون وطني إلى خطر أمني واعتبرتهم الدولة “تبعية تركية” يجب تحجيمها.
ما جرى بعد ذلك معروف: سياسات التعريب، تغيير أسماء القرى والمدارس، منع التعليم باللغة التركمانية، منع التملك، التهجير القسري، والإعدامات السياسية في 1980. جيل كامل نشأ وهو يعتقد أن العمل السياسي يساوي السجن أو الإعدام. فكيف نطلب منه ثقافة سياسية؟

ثالثا: التشتت الذي يمنع تشكيل قوة
مأساة التركمان أنهم ليسوا في إقليم واحد. موزعون جغرافيا، وموزعون مذهبيا بين سنة وشيعة، وموزعون حزبيا بين عشرات الأحزاب التي تدعي تمثيلهم. العربي يذهب للعشيرة، والكردي يذهب للحزب القومي، أما التركماني فلا يجد مرجعية واحدة تجمعه. وهذا ما استغلته الحكومات المتعاقبة بعد 2003 أيضا، فتم التعامل معهم كأرقام يتم ترضيتها بمنصب ثانوي، لا كشريك أساسي في القرار.
ما الحل؟ من ثقافة الشكوى إلى ثقافة الدولة

القضية التركمانية لن تحل بالبكاء على التاريخ ولا بالاعتماد على أنقرة أو أي عاصمة أخرى. الحل يبدأ من الداخل:
1. بناء النخبة السياسية: نحتاج معهد دراسات استراتيجية تركماني، يخرج 50 شابا وشابة كل عام يتقنون الدستور العراقي والقانون الدولي وفن التفاوض والإعلام، لا فقط الخطب الحماسية.
2. اللغة هي الهوية: شعب بلا لغة في مدارسه سيموت سياسيا. إحياء التعليم التركماني الحقيقي، وإنشاء قناة إعلامية مهنية ناطقة باحتراف وليس بخطاب طائفي، هو أساس أي وعي سياسي.
3. توحيد الخطاب والمطلب: يجب الانتقال من مطلب “نحن مظلومون” إلى مطلب “نحن نقدم مشروعا للعراق”. ما هو مشروع التركمان لكركوك؟ للتعايش؟ للنفط؟ للفيدرالية؟ إلى اليوم لا يوجد مشروع مكتوب وواضح يقنع الشريك العربي والكردي والمجتمع الدولي.
4. التحالفات الذكية: السياسة في العراق لا تدار بالعدد فقط، بل بالتحالفات. التركمان بحكم توسطهم ومدنيتهم مؤهلون ليكونوا جسرا بين العرب والكرد، لا وقودا لصراعهم. هذه الورقة لم تستثمر أبدا.

في الختام، الشعب التركماني لا تنقصه الوطنية ولا الشجاعة، بل تنقصه المؤسسة. الفرد التركماني ناجح كطبيب ومهندس وتاجر، لكنه يفشل عندما يعمل وحده في السياسة. آن الأوان أن نتحول من سياسة الوجهاء والأشخاص إلى سياسة المؤسسات والمراكز البحثية والعمل التراكمي الهادئ.
القضية العادلة وحدها لا تكفي، ما لم يحملها عقل سياسي بارد يعرف متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يتحالف.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *