الاعتذار… شجاعةُ الأقوياءِ لا ضعفُ المنكسرين

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

ليست العظمة في أن يظن الإنسان أنه لا يخطئ، وإنما العظمة أن يدرك خطأه، ثم يمتلك الشجاعة ليقول: “لقد أخطأت… فاعذرني.”

هذه الكلمات القليلة قد تبدو سهلة على اللسان، لكنها عند بعض الناس أثقل من الجبال؛ لأن الاعتذار يحتاج إلى قلبٍ متواضع، ونفسٍ كبيرة، وعقلٍ يدرك أن الكرامة لا تُصان بالمكابرة، وإنما تُصان بالصدق.

ولعل من أكثر المفاهيم التي اختلطت على الناس أن الاعتذار علامة ضعف، وأن الاعتراف بالخطأ يُنقص من الهيبة، وأن التراجع عن الخطأ هزيمة. ولو تأملوا في سير العظماء، لوجدوا أن الاعتذار لم يكن يومًا خُلُق الضعفاء، بل كان سمة الأقوياء الذين انتصروا على كبريائهم قبل أن ينتصروا على غيرهم.

إن أول عدو يمنع الإنسان من الاعتذار هو الكِبر؛ ذلك المرض الذي يجعل صاحبه يبحث عن ألف عذر لخطئه، ولا يبحث عن عذرٍ واحد لمن أخطأ في حقه.

وقد حذر القرآن الكريم من هذا الخلق، حين قص علينا قصة إبليس، الذي لم يكن ذنبه مجرد المعصية، بل إصراره على تبريرها ورفضه الاعتراف بخطئه، فقال سبحانه:

﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34].

وفي المقابل، يضرب القرآن أروع الأمثلة في الرجوع إلى الحق، كما في دعاء أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام بعد الزلة:

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].

شتان بين من يبرر خطأه، ومن يعترف به. فالأول يزيد نفسه بعدًا، والثاني يفتح لنفسه باب الرحمة.

وكان رسول الله ﷺ أعظم الناس تواضعًا، فلم يكن يرى في الرجوع إلى الحق نقصًا، بل كان يعلم أصحابه أن خير الناس من إذا تبين له الصواب عاد إليه. ولهذا كان يقول: «كلُّ بني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون». رواه الترمذي وحسنه جمع من أهل العلم.

فالإنسان ليس معصومًا من الخطأ، ولكن الفرق بين النفوس الكبيرة والنفوس الصغيرة أن الأولى تُصلح خطأها، والثانية تُصر عليه.

إن الاعتذار ليس مجرد كلمة تُقال، بل رسالة تقول للطرف الآخر: “إن علاقتنا عندي أكبر من كبريائي.” ولهذا فإن الاعتذار الصادق يرمم ما تعجز عنه عشرات المبررات، ويعيد الثقة إلى القلوب، ويغلق أبواب الضغينة قبل أن تتسع.

كم من بيتٍ تفرق بسبب كلمة لم يتبعها اعتذار، وكم من صداقة انتهت لأن أحد الطرفين رأى أن الاعتذار يقلل من شأنه، وكم من علاقة عمل خسرت أصحاب الكفاءة لأن المسؤول لم يملك شجاعة الاعتراف بخطأ قرار اتخذه.

وللأسف، يعيش بعض الناس أسرى لعبارة: “أنا لا أعتذر.” ويعدونها دليلًا على قوة الشخصية، بينما هي في كثير من الأحيان علامة على عجز الإنسان عن مواجهة نفسه.

فالقوة الحقيقية ليست في أن تربح كل جدال، وإنما في أن تربح احترام الناس عندما تعترف بخطئك.

والاعتذار لا يعني أن الإنسان دائمًا هو المخطئ، كما أن قبوله لا يعني أن الطرف الآخر دائمًا على حق. ولكنه خلق يفتح باب الإصلاح، ويطفئ نار الخصومة، ويعيد للعلاقات دفئها.

ولقد كان علماؤنا يقولون إن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. وهذه قاعدة لا تقتصر على الفقه والعلم، بل تشمل الحياة كلها. فالإنسان يزداد قدرًا حين يراجع نفسه، ولا ينقص قدره إلا إذا أصر على الخطأ وهو يعلم أنه مخطئ.

وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الاعتذار أكثر صعوبة؛ لأن بعض الناس يخشون أن يُنظر إليهم على أنهم انهزموا. فيواصلون الدفاع عن الخطأ، ويضيفون إليه أخطاء أخرى، حتى تتحول زلة صغيرة إلى أزمة كبيرة، بينما كان يمكن أن تنتهي بكلمة واحدة: “أعتذر.”

إن الاعتذار لا يحتاج إلى بلاغة، بل يحتاج إلى صدق. ولا يحتاج إلى كثرة الكلمات، بل إلى إخلاص النية. فأجمل الاعتذارات تلك التي تُقال من القلب، ويُرى أثرها في السلوك قبل أن تُسمع في العبارات.

فلنتعلم أن الاعتذار لا يُسقط مكانتنا، بل يرفعها. ولا يُضعف شخصيتنا، بل يكشف نضجها. فالناس قد ينسون الخطأ، لكنهم لا ينسون تواضع من اعتذر، ولا ينسون عناد من أصر.

ولعل أجمل ما نختم به أن الإنسان لا يكبر حين يعلو صوته، ولا حين ينتصر في كل نقاش، وإنما يكبر حين ينتصر على نفسه، ويغلب كبرياءه، ويصافح من أخطأ في حقه معتذرًا، أو يفتح قلبه لمن جاءه معتذرًا.

فما أجمل أن نعيش بقلوب تعرف كيف تقول: “سامحني.” وما أجمل أن نملك من السمو ما يجعلنا نقول لمن اعتذر: “غفر الله لنا ولك.”

فالاعتذار ليس انكسارًا… بل هو انتصار الأخلاق على الكِبر، وانتصار الإنسان على نفسه قبل كل شيء.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24