في الفضاءات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، تتصاعد فيديوهات ومقاطع صوتية يُطلق فيها مُتحدثون إيرانيون عبارات استعلاء تجاه العراقيين، يُرددون فيها أن العراقيين (لا يستحقون ثراء بلدهم)، بينما (الإيرانيون يتضورون تحت الحصار). هذا الخطاب لا يُعبر عن مجرد رأي فردي، بل هو امتداد لتركيبات تاريخية واجتماعية وسياسية عميقة، تستحق التشريح الموضوعي بعيداً عن العاطفة، وباستناد إلى المعطيات التاريخية والسياسية.
أولاً: جذور النظرة الاستعلائية: تحليل سوسيولوجي وسياسي
(١) الجذور التاريخية والثقافية
تُرجع الدراسات هذه النظرة إلى تراث ثقافي متجذر يُعرف بـ “الشعوبية”، حركة فكرية ظهرت في العصر العباسي تقوم على تفضيل العرق الفارسي على العرق العربي، وتصوير العرب ككيان (متخلف اجتماعياً وحضارياً) مقابل تميز الفرس وتفوقهم تاريخياً. السردية الإيرانية السائدة تُقدم إيران بأنها وريثة إمبراطورية كسرى التي حكمت المنطقة قبل الإسلام، بينما يُصوّر العرب على أنهم شعوب بدوية (لا تملك حضارة مقارنة). هذا التراث يُعاد إنتاجه في المناهج التعليمية والخطاب الثقافي، ويغدو جزءاً من اللاوعي الجمعي لدى شرائح واسعة.
يقول الباحث مهدي زويري في كتابه العلاقات العربية الإيرانية: توترات الهوية والسلطة:
إن صراع الهوية بين العرب والفرس يعود لقرون، وما زال يُشكّل اللاوعي الجمعي لدى الجانبين؛ فالسردية القومية الإيرانية تُقدم إيران وريثة إمبراطوريات كسرى العظمى، وتُقارن ذلك ببداية العرب الإسلاميين كقبائل بدوية، وهو ما يُغفل حقيقة التداخل الحضاري العميق بين الجانبين.
(٢) توظيف الدين للتفوق القومي
تُلاحظ دراسات أن خطاب النخبة الثقافية والقومية الإيرانية يُوظّف حتى النصوص الدينية لدعم شعور التفوق، حيث يُفسر بعضهم آيات قرآنية تخص (الأعراب) على أنها صفة ملازمة للعرب جميعهم، ويُستخدم ذلك لتعزيز دونيتهم. في المقابل، يُغفل هذا الخطاب ما يجمع الجانبين من حضارات مشتركة وتاريخ متداخل، وهو ما يصفه الباحث مهدي زويري بأن (العلاقات العربية الإيرانية تقوم على إعادة إنتاج تاريخ مشترك يصبح مصدر صراع وسوء فهم).
(٣) السياسة كأداة لتصدير التفوق
بعد الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩، سعى النظام الإيراني لتقديم نفسه بأنه (القيادة الشرعية لجميع المسلمين)، وليس فقط الإيرانيين وهو ما اصطدم بطموحات عربية، وأدى إلى تأجيج الانقسامات الطائفية والقومية. ومع ذلك، تُشير الدراسات إلى أن هذا (التصدير للثورة) غالباً ما كان يُقترن بتفضيل الهوية الفارسية على العربية، حتى في المناطق ذات الغالبية الشيعية.
و تؤكد دراسة في مركز البحر الأحمر للدراسات الاستراتيجية حقيقة مفادها بان الخطاب الإيراني يوظف الدين ليُغطّي نزعة قومية فارسية متجذرة؛ فالشعارات الإسلامية تُستخدم لتصدير النفوذ، بينما في الداخل والخطاب الثقافي الخاص، تبرز النظرة إلى العرب كشعوب أقلّ شأناً حضارياً وتاريخياً.
ثانياً: كيف أسهمت السياسات الإيرانية في معاناة العراق و لنقرأ المسار التاريخي
١ / الحرب العراقية – الإيرانية ١٩٨٠-١٩٨٨
كانت الحرب الأولى التي زرعت الجراح بين الشعبين، وتسببت في مقتل ما يُقدر ب ٦٥٠ ألف شخص تقريباً من الجانبين، ودمار اقتصادي هائل للعراق وإيران معاً. فإستمرار الحرب وتصعيدها من الجانبين بما في ذلك احتفاظ إيران بالأراضي العراقية لسنوات عمّق العداء والدمار، ودفع العراق نحو حرب الخليج الثانية ثم العقوبات الدولية المدمرة التي أضعفت شعبه لعقود.
و يوثّق معهد الدراسات الدولية التابع لجامعة لندن بأن
( الحرب لم تكن مجرد نزاع حدودي؛ بل كانت صراعاً أيديولوجياً وقومياً عمّق العداء بين الشعبين، وأضعف العراق لدرجة جعلته عرضة للاحتلال لاحقاً. واستمرار إيران في الحرب بعد تحرير أراضيها ساهم في تمديد المعاناة وتدمير البنية التحتية العراقية).
٢ / العقوبات والحصار: مسؤولية مشتركة لا يُحملها العراق وزر إيران
فالخطاب الاستعلائي يغفل حقيقة جوهرية: العقوبات والحصار المفروض على إيران فرضتها الولايات المتحدة والقوى الكبرى، وليس العراق ولا الشعب العربي. بل على العكس، عانى العراق من حصار دولي أشد قسوة وأطول أمداً في التسعينيات، أدى إلى انهيار منظوماته الصحية والتعليمية، وارتفاع معدلات وفيات الأطفال بشكل كبير قبل أن تُفرض العقوبات على إيران بسنوات طويلة. فالشعب العراقي ليس (مستفيداً) من معاناة الإيرانيين، بل هو سبّاق إليها.
٣ / ما بعد احتلال العراق ٢٠٠٣: النفوذ الإيراني وتداعياته
بعد الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣، لم تقف إيران موقف الحياد، بل وسّعت نفوذها بشكل عميق في العراق من خلال دعم وتسليح فصائل مسلحة وميليشيات، وفق ما توثقه مصادر بحثية مستقلة:
• قدّمت إيران دعماً عسكرياً ومالياً لفصائل عراقية، شملت أسلحة قاتلة أثرت في المشهد الأمني وأطالت أمد العنف والانقسام الطائفي.
• ساهمت التدخلات الخارجية بما فيها الإيرانية في إضعاف الدولة العراقية وتفكك مؤسساتها، وخلق واقع (دولة الفصائل) بدلاً من دولة المواطنة.
• يُشير مراقبون عراقيون إلى أن ( إيران تحولت إلى دولة تُدير العراق من خلف الستار )، مستخدمة الميليشيات كأداة للنفوذ، وهو ما أثار استياءً واسعاً لدى العراقيين من مختلف المكونات.
. تشير بعض التقارير الاستخبارية إلى أن ايران و النظام السوري السابق ساهموا في ( دخول ) المتطرفين إلى العراق من اجل الحصول على عدم استقرار في البلد خدمة لمصالحهم.
٤ / استغلال الثروات والعلاقات الاقتصادية غير المتكافئة
بعد عام ٢٠٠٣، أصبح العراق سوقاً مفتوحاً للمنتجات الإيرانية، وتُشير تقارير إلى أن حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين اقترب من ١٢ مليار دولار في ٢٠٢٤، حيث تُعد إيران الشريك التجاري الأول للعراق في الكهرباء والغاز والسلع الاستهلاكية. ورغم أن هذا يُفيد الاقتصاد الإيراني، إلا أن العراق ما زال يعاني من ضعف البنية التحتية وعدم استقرار الإنتاج النفطي، أي أن (الثراء) الذي يُستهان به هو ثراء مُعطّل بفعل عقود من الحروب والتدخلات الخارجية، وليس نابعاً من رفاهية مستقرة.
ثالثاً: تفنيد المنطق المستفز: حقائق لا يُمكن تجاوزها
الادعاء الشائع الحقيقة الموضوعية
(العراقيون يستحقون الفقر وليس الثراء) ثراء العراق نابع من موقعه الجغرافي وموارده الطبيعية، وهي ميراث مشروع لشعبه منذ آلاف السنين. المساس بحقهم فيه هو مساس بمبدأ السيادة الوطنية والعدالة الطبيعية.
(نحن محاصرون وهم يتنعمون)الشعب العراقي عانى من حصار دولي أشد وطأة في التسعينيات، وما زال يعاني من آثار الحروب والفساد والانقسام الطائفي. الفجوة في المعاناة ليست لصالح العراق.
(ما لهم من حضارة مقارنة بنا) الحضارتان العراقية والإيرانية عميقتان ومتداخلتان؛ بلاد الرافدين مهد الحضارات الإنسانية الأولى، وفارس شكّلت جزءاً أساسياً من التراحم الحضاري المشترك. التفوق المزعوم هو قراءة قومية منقوصة للتاريخ.
(إيران تُحرر العراق وتحميه) التدخل الإيراني أسهم في تعقيد المشهد الطائفي وتقويض سيادة القرار العراقي، كما يُقر بذلك مراقبون من داخل العراق وخارجه فالحماية المُفترضة غالباً ما تكون بثمن باهظ هو الاستقلال الوطني.
رابعاً: هنالك حلول عملية لمعالجة هذا المنطق وتصحيح المسار
على المستوى الثقافي والاجتماعي
١ / إعادة كتابة السردية التاريخية المشتركة: بناء مناهج تعليمية وبرامج إعلامية تُبرز التداخل الحضاري بين العرب والفرس بدلاً من التفريق والتصنيف؛ فكلاهما شريكان في بناء الحضارة الإنسانية.
٢ / حوار ثقافي ومجتمعي مفتوح: تشجيع اللقاءات بين المثقفين والإعلاميين من الجانبين لتفكيك الصور النمطية، وفضح خطاب الكراهية الذي يُبث في منصات التواصل الاجتماعي دون رادع.
٣ / تجريم خطاب الاستعلاء والتحريض: وضع قواعد أخلاقية ومهنية للإعلام والمنصات الرقمية تُجرّم الإساءة للشعوب والتفريق بينها على أساس العرق أو القومية.
على المستوى السياسي
١ / احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية: أن تُعلن طهران صراحةً التزامها بسيادة العراق واستقلال قراره الوطني، وأن تُعيد النظر في وجود الميليشيات غير الخاضعة لسلطة الدولة العراقية فهذا مصدر التوتر الأول.
٢ / علاقات اقتصادية متكافئة لا استغلالية: بناء شراكات تنموية حقيقية تساهم في إعادة إعمار العراق بدلاً من تصدير السلع واستيراد النفط والغاز بأسعار تُخالف القيم العادلة.
٣ / مصالحة تاريخية مُعلنة: الشروع في مسار مصالحة رسمي بين البلدين يُعترف فيه بآلام الحربين، وعدم استخدام الماضي كأداة للمنافسة السياسية.
على المستوى الشعبي
١ / رفض منطق “الإثم بالانتماء”: التمييز بين سياسات الأنظمة وبين الشعوب؛ فالشعب الإيراني أيضاً ضحية للحصار وللسياسات التي تُعبّر عنه ولا تُعبر عنه بالضرورة، وكذلك الشعب العراقي ضحية لتدخلات خارجية متعددة لا تُحمل وزرها له.
٣ / التركيز على المصالح المشتركة: فالمنطقة بأسرها لا تزدهر إلا بسلام شعوبها؛ فإيران قوية وعادلة تُفيد العراق، وعراق مستقر ومُزدهر يُفيد إيران.
إن النظرة الاستعلائية التي يُبديها البعض تجاه العراقيين ليست تعبيراً عن (حقيقة تاريخية) أو (تفوق حضاري)، بل هي أيديولوجيا مُعاد إنتاجها لخدمة أغراض سياسية، تُخفي وراءها واقعاً مختلفاً تماماً: العراق لم يكن سبباً في حصار إيران، ولا هو مسؤول عن معاناتها.
إن الحل الحقيقي لا يكمن في التباغض والتفاخر بالعرق، بل في بناء علاقة تقوم على المساواة والاحترام المتبادل، والاعتراف بأن ثراء العراق حق لشعبه، وأن معاناة إيران همّ يُواجهه شعبها بالدرجة الأولى وليس بتحويل الغضب نحو جارٍ يُعاني ما يُعانيه وأكثر.











