ضياء الصفار
لم يكن الاتفاق الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة مجرد اتفاق بين ثلاث دول تربطها مصالح مشتركة، ولا ينبغي النظر إليه باعتباره حدثاً أمنياً منفصلاً عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
فالتوقيت، والأطراف، والظروف الإقليمية والدولية المحيطة به، كلها تشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى، وأن السؤال لم يعد فقط ،من يحمي المنطقة؟ بل أصبح ، من يشارك في صناعة أمنها، ومن يبقى خارج هذه المعادلة؟
ومن هنا تبرز المفارقة الأكثر إثارة للانتباه وهي غياب العراق !! فالعراق ليس دولة هامشية في جغرافية المنطقة، بل يقع في قلبها، ويشكل الجسر بين الخليج العربي وتركيا وإيران وبلاد الشام. والأكثر دلالة أن العراق كان عام 1955 أحد أركان حلف بغداد، إلى جانب تركيا وإيران وباكستان وبريطانيا، بينما نجد تركيا وباكستان اليوم في قلب الترتيب الجديد، والسعودية تحل محل العراق في مركز الثقل العربي. فهل نحن أمام حلف بغداد جديد؟
كان حلف بغداد ابن الحرب الباردة. فقد صُمم في خمسينات القرن الماضي ضمن استراتيجية احتواء الاتحاد السوفييتي ومنع تمدده نحو الشرق الأوسط والخليج العربي. ولذلك كانت المعادلة واضحة آنذاك وهي أن:
الاتحاد السوفييتي في مواجهة منظومة أمنية تقودها القوى الغربية وحلفاؤها الإقليميون.
أما اتفاق مكة فيأتي في عالم مختلف تماماً ، يشهد صراعات وتوترات وتقاطع المصالح، فالخطر الذي يدفع دول المنطقة إلى إعادة التفكير في أمنها لم يعد خطراً واحداً ومحدداً، بل شبكة من المخاطر: النفوذ الإيراني، الكيان الصهيوني الصواريخ والطائرات المسيّرة، الصراعات الإقليمية، أمن الطاقة والممرات البحرية، واحتمال تراجع الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الوحيد لأمن المنطقة.
ولهذا فإن اتفاق مكة ليس نسخة من حلف بغداد، وإنما يمكن اعتباره محاولة لبناء نظام أمني إقليمي أكثر استقلالاً وتعدداً في مصادر القوة.
وفي الحلف القديم كانت بريطانيا القوة الخارجية المنظمة، أما في الترتيب الجديد فلا توجد قوة عظمى عضواً فيه .
وأمام هذه الحقائق يبرز السؤال، لماذا السعودية وتركيا وباكستان؟
أن اختيار الدول الثلاث يكشف طبيعة المشروع ،فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والنفطي والجغرافي والمكانة الدينية ،تركيا تمثل القوة العسكرية والصناعة الدفاعية والموقع الاستراتيجي الذي يربط الشرق الأوسط بأوروبا وآسيا، فضلاً عن عضويتها في حلف الناتو ،أما باكستان فتضيف إلى المعادلة قوة عسكرية كبيرة وخبرة استراتيجية، والأهم أنها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي.
وبذلك يجمع المحور الثلاثي عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والردعية في تركيبة واحدة.
لكن أهم ما يجمع هذه الدول ليس فقط ما تمتلكه، وإنما ما تحتاج إليه:
السعودية تحتاج إلى مظلة ردع أوسع.
تركيا تريد دوراً أكبر في صياغة الأمن الإقليمي.
وباكستان تريد توسيع شراكاتها الاستراتيجية خارج محيطها التقليدي.
ومن هنا يصبح اتفاق مكة أكثر من اتفاق دفاعي؛ إنه تعبير عن رغبة في الانتقال من الاعتماد على قوة خارجية واحدة إلى توزيع مصادر القوة والردع.
ولكن ما هو تأثير هذا الأتفاق على القوى الإقليمية الأخرى، لاسيما التي تشهد صراعات وحروب وتهديد ، إيران مثلاً ..
لا يحتاج الاتفاق إلى تسمية إيران باعتبارها عدواً حتى تكون حاضرة في حساباته ، فالسعودية تنظر إلى أمن الخليج ومصادر الطاقة والمنشآت الحيوية. وتركيا تراقب التوازنات الممتدة من الخليج إلى العراق وسوريا والقوقاز.
وباكستان تملك حساباتها الأمنية الخاصة مع إيران، إضافة إلى موقعها في التوازن الآسيوي.
ولهذا يمكن أن يكون الاتفاق، من الناحية العملية، أداة ردع تجاه إيران، حتى لو بقيت لغته الرسمية دفاعية وغير موجهة ضد دولة محددة.
لكن الأهم أن الاتفاق قد يبعث برسالة إلى طهران مفادها أن المرحلة التي تستطيع فيها التأثير في كل دولة منفردة قد بدأت تتغير، وأن دول المنطقة أصبحت أكثر استعداداً لبناء توازن جماعي ، للوقوف بوجه أي محاولة للأختراق لبسط النفوذ والهيمنة.
أما الكيان الصهيونى فهو أمام معادلة أكثر تعقيداً
وسيراقب هذا التطور بحذر شديد . فقيام إطار يضم دولة تملك الثقل المالي والنفطي، ودولة تملك قوة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة، ودولة نووية، يخلق معادلة مختلفة عن البيئة التي اعتادت إسرائيل العمل فيها.
ولا يعني ذلك أن الدول الثلاث ستتحول إلى تحالف عسكري ضد (إسرائيل )، فلكل منها حساباته وعلاقاته الدولية.
لكن مجرد نشوء منظومة ردع إقليمية مستقلة يمكن أن يقلل من التفوق النسبي الذي تمتعت به إسرائيل طويلاً.
ولهذا ستراقب إسرائيل خصوصاً التعاون في الدفاع الجوي والصاروخي، والاستخبارات، والطائرات المسيّرة، والصناعات العسكرية، وأي تطور في التعاون السعودي ـ الباكستاني ذي الصلة بالردع الاستراتيجي.
ورب سائل يسأل عن الموقف من الولايات المتحدة الأمريكية، هل هي خصم أم شريك؟
من الخطأ، في تقديري، افتراض أن واشنطن ستنظر إلى اتفاق مكة بالضرورة باعتباره تحدياً لها ،فالولايات المتحدة ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الدول الثلاث، ولا سيما السعودية وتركيا وباكستان.والأرجح أن واشنطن ستسعى إلى التأثير في الاتفاق واحتوائه أكثر من سعيها إلى مواجهته.
فالولايات المتحدة قد ترى في تحمّل حلفائها الإقليميين مسؤولية أكبر عن أمنهم أمراً إيجابياً، ما دام هذا الترتيب لا يتحول إلى منظومة معادية للمصالح الأمريكية أو تخرج بالكامل من نفوذها. لكن واشنطن ستراقب ثلاثة أمور مستقبلاً لتحديد طبيعة الموقف الأمريكي، وهي:
1-هل يتحول الاتفاق إلى بديل عن المظلة الأمريكية؟
2-هل يتطور إلى منظومة عسكرية مستقلة؟
3-وهل يدخل عنصر الردع النووي الباكستاني بصورة مباشرة في أمن الخليج؟
لكن في ظل هذه الحسابات نجد أن العراق خارج هذا الترتيب؟ وهو الذي لايمكن تجاهله لأهميته!!
أن العراق لم يفقد أهميته الجغرافية أو الاستراتيجية ،بل ربما العكس تماماً ،فإن أهمية العراق هي أحد أسباب تعقيد إدخاله في أي منظومة أمنية جديدة ، فالعراق يقع في قلب مثلث شديد الحساسية:
(إيران شرقاً، وتركيا شمالاً، والخليج العربي جنوباً )، وهو في الوقت نفسه قريب من سوريا والأردن، وممر أساسي للطاقة والتجارة، ويمتلك حدوداً مع أربع دول ترتبط مباشرة بالمعادلة الأمنية الجديدة أو بمحيطها . لكن المشكلة ليست في الموقع وأنما المشكلة في القرار !!
فأي تحالف دفاعي يحتاج إلى دولة تمتلك قرارها الأمني بصورة واضحة، وتستطيع أن تضمن أن أراضيها وأجواءها ومياهها لن تستخدم ضد شركائها.
وهنا يصبح وضع العراق أكثر تعقيداً من وضع السعودية وتركيا وباكستان في ظل غياب السيادة والقرار الوطني،
إن تعدد مراكز القرار، ووجود قوى مسلحة مرتبطة بمحاور خارجية، إيران بشكل خاص يجعل إدخال العراق في تحالف دفاعي ملزم خطوة محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى الدول الأخرى.
ولهذا فإن غياب العراق لا يعني بالضرورة استبعاده. الأدق أنه يعني الإحاطة به وانتظار اتجاهه. نعم الإحاطة لا الاحتواء .وهنا يجب التمييز بين المفهومين.
الاحتواء يعني أن هناك مشروعاً يستهدف العراق لمنع نفوذه أو إخضاعه.
أما الإحاطة فتعني أن القوى الإقليمية تعيد ترتيب محيط العراق بحيث لا تستطيع أي قوة خارجية استخدامه لتهديد مصالحها.
فتركيا في الشمال، والسعودية في الجنوب، وباكستان في الامتداد الاستراتيجي الأوسع، ومعها دول أخرى يمكن أن تنضم مستقبلاً، تشكل بيئة إقليمية جديدة تحيط بالعراق.
وذلك يعني بأن لن يُسمح بأن يتحول العراق مرة أخرى إلى منصة لتهديد أمن دول الجوار.
وهنا تكمن الرسالة الأهم إلى بغداد مفادها :
المطلوب ليس عراقاً تابعاً لمحور جديد، وإنما عراق ذو قرار سيادي يستطيع أن يكون طرفاً في صناعة أمن المنطقة. لأن مشكلة العراق اليوم ليست في موقعه، وإنما في استقلال قراره الوطني.
وهذه نقطة ينبغي أن تكون موضع تأمل عميق ، فالدول لا تصبح مؤثرة بسبب موقعها الجغرافي فقط، وإنما عندما تمتلك القدرة على تحويل هذا الموقع إلى قوة سياسية واستراتيجية ، والعراق يمتلك كل عناصر القوة اللازمة لذلك، لكنه يحتاج إلى استعادة الدولة ووحدانية القرار الوطني.
ويبقى السؤال الأهم :هل يمكن أن يصبح العراق جزءاً من المنظومة؟ والجواب هو نعم متى ما كان العراق دولة كاملة السيادة تمتلك قرارها السياسي الوطني وبإرادة وطنية كاملة، عندها لا يصبح عضواً في حلف أو منظومة ، إنما يصبح أحد أهم أعمدة النظام الأقليمي والدولي.
فالعراق يملك ما لا يملكه الآخرون مجتمعين ،الموقع الذي يصل الخليج العربي بتركيا وإيران والشام، والثروة النفطية، والعمق البشري، والجيش، والموقع الجغرافي الذي يجعله ممراً إجبارياً لأي منظومة أمنية وتجارية في المنطقة ،ولا ينبغي أن ينتظر حتى تكتمل ترتيبات الأمن الإقليمي ثم يطلب مكاناً فيها ، بل ينبغي أن يستعيد قراره الوطني ويحدد مصالحه، ثم يتعامل مع جميع القوى الإقليمية والدولية من موقع الدولة الوطنية صاحبة القرار ،فالعراق ليس بحاجة إلى الانتقال من محور إلى محور ،إنما هو بحاجة إلى الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الدولة.
فإما أن يبقى العراق محاطاً بالتحولات التي تصنعها الدول الأخرى، وإما أن يستعيد دوره التاريخي ويصبح أحد صانعي التوازن الجديد.وفي هذه الحالة فقط يمكن أن تتحول جغرافية العراق من عبء إلى قوة، ومن ممر للصراعات إلى جسر للتوازن الإقليمي ، وهذا هو الفارق بين عراقٍ يُحاط به، وعراقٍ يشارك في صناعة ما يحيط به.
فالمستقبل لن يكون لمن يملك الموقع فقط، وإنما لمن يملك القرار.
11 /آب / 2026













