قصة بقلم: بلحمدي رابح – البليدة، الجزائر
كانت محطة آغا مساءً تشبه صدر مدينةٍ يتنفس بصعوبة.
الريح البحرية تزحف خفيفة، تختلط برائحة الحديد والزيت، وباعة القهوة يرفعون أصواتهم كأنهم ينافسون صفير القطار.
الناس هناك لا يمشون فقط… بل يركضون خلف أعمارهم.
وقفتُ على الرصيف أتأمل الوجوه.
وجوهٌ تحمل تعب الوظيفة، ووجوهٌ تحمل تعب البحث عنها، ووجوهٌ شابة لم تقرر بعد أيّ طريقٍ تسلك……
وحين دخل القطار القادم نحو البليدة، اندفع الجميع نحوه كأنهم يدخلون فصلًا جديدًا من كتابٍ لا يعرفون نهايته.
ركبتُ.
لم أجد مقعدًا.
وقفتُ ممسكًا بالعمود الحديدي، والقطار يهتزّ كقلبٍ متردد.
كانت أمامي مجموعة شباب في العشرينات، ضحكاتهم تملأ العربة. أحدهم لمحني، تبادل نظرة مع رفاقه، ثم قام بسرعة:
– تفضل يا عمي، اقعد هنا.
لم يسألني من أنا، ولا ماذا أكتب، ولا أين أنتمي.
هكذا هم الجزائريون… إذا جلس الكبير وقف الصغير، وإذا دخل الغريب صار من أهل الدار.
جلستُ بينهم، وبدأت الرحلة.
كانوا يتحدثون عن كرة القدم بحماسة صافية.
واحد يقول إن المدرب لا يفهم شيئًا، والثاني يقسم أن لاعبًا واحدًا قادر على إنقاذ الفريق، والثالث يلوّح بيده:
– يا خو، المشكلة ماشي في اللاعبين… المشكلة في النظام كامل
ضحكوا.
لكن الجملة بقيت معلّقة في الهواء: المشكلة في النظام كامل.
عندها، وكأن القطار نفسه أراد تغيير الموضوع، اهتزّ بقوة.
صمتٌ قصير.
ثم قال أحدهم وهو ينظر في هاتفه:
– شوفو غزة اليوم…
انطفأت الضحكات.
اقتربت الرؤوس من الشاشة.
طفلٌ تحت الركام.
أمّ تصرخ.
صورةٌ تلتهم صورة.
قال شاب نحيف، عيونه مشتعلة:
– العالم كامل يحكي على حقوق الإنسان… بصح وينهم اليوم؟
تدخل آخر:
– السياسة يا خو… المصالح.
ثم قفز الحديث فجأة إلى حصار ترامب لإيران، إلى التهديدات، إلى العقوبات، إلى الخوف من حربٍ كبرى.
أحدهم قال:
– يحوسوا غير على النفط… والباقي كلام.
كان النقاش يتصاعد كأنه منبرٌ صغير داخل عربة قطار.
لم يكونوا خبراء في الجغرافيا السياسية، لكن في كلماتهم شيء صادق… شيء يشبه الوجع.
قلت بهدوء:
تعرفوا أن فيلسوفًا اسمه جان فرانسوا ليوتار قال إن السرديات الكبرى ماتت؟
نظروا إليّ.
واحد منهم ابتسم:
– سرديات كبرى؟ وش معناها؟
قلت:
يعني الحكايات الكبيرة التي كانت تعطي للناس معنى شاملًا… مثل فكرة التقدم، العقل، التحرر، العدالة العالمية. قال إننا دخلنا زمنًا لم نعد نؤمن فيه بقصة واحدة تجمعنا.
سكتوا لحظة.
ثم قال الشاب النحيف:
– يعني بصح… ما كانش حاجة نآمنوا بيها كامل؟
أجبته:
بالضبط. صار كل واحد يعيش قصته الصغيرة. بلا نجم كبير يهديه.
هنا تذكرتُ استعارة ظلّت تسكنني:
الكلب الكبير في تراثنا ليس حيوانًا فقط، بل نجمٌ يهتدى به في الصحراء… حارسٌ لا ينام.
قلت لهم:
تخيلوا أن القافلة تسير في الصحراء، وفجأة يسقط النجم الذي يدلها. هذا هو عصرنا. عصر اللاكلاب الكبرى. لا نجم، لا دليل، لا حكاية جامعة.
قال أحدهم ضاحكًا بمرارة:
– يعني رانا ضايعين رسمي.
ابتسمتُ:
الضياع يبدأ حين نعتقد أن لا طريق أصلًا.
كان القطار قد تجاوز الحراش، والعمارات بدأت تقلّ.
الحقول الخضراء ظهرت على الجانبين، نخيلٌ صامت، وسماءٌ تميل إلى الرمادي البنفسجي.
أخرج أحدهم هاتفه وقال:
– بصح كاين حاجة أخرى… كلش ولى تشكيك. حتى كي نشوف فيديو، ما نعرفش واش نصدق.
قلت:
هذا ما قاله جاك دريدا حين كتب عن التفكيك. قال إن النصوص لا تحمل معنى ثابتًا. لكن البعض فهمها على أن لا شيء ثابت أصلًا.
سألني شاب ممتلئ الوجه:
– يعني حتى الدين؟ حتى الحقيقة؟
نظرت إليه طويلًا.
قلت:
هناك فرق بين أن تكشف أوهام البشر، وبين أن تنكر وجود الحقيقة نفسها. التفكيك كان مشرطًا، لكن البعض استعمله كفأس.
صمتوا.
ثم قال شاب كان ساكتًا طوال الوقت:
– أنا نقول حاجة… كي نشوف الأخبار، نحس روحي في لعبة. حرب هنا، انفجار هنا، تصريح هنا… كلش كيما فيلم.
ابتسمت بحزن:
هذا ما قاله جان بودريار. قال إننا نعيش في محاكاة. الصورة تأكل الأصل. نصير نفضل المشهد على الحقيقة.
هزّ رأسه:
– صح… مرات نبكي في مسلسل، وما نتأثرش بخبر حقيقي.
هنا دخلنا محطة بابا علي.
توقف القطار.
صعد بعض الركاب، نزل آخرون.
الحياة لا تنتظر أحدًا.
بعد انطلاقه، قال أحدهم فجأة:
– بصح كاين حاجة أخرى… الغرب ديما يشوفنا بنظرة ناقصة.
قلت:
إدوارد سعيد كتب عن هذا في الاستشراق. قال إن الغرب صنع صورة عن الشرق ليبرر السيطرة عليه.
ردّ الشاب:
– يعني احنا ضحايا؟
قلت:
نعم، لكن أخطر شيء أن نختصر أنفسنا في كوننا ضحايا فقط. أن نصير مجرد رد فعل.
كان النقاش يتشعب كأنه شجرة بلا جذع.
كل فكرة تلد سؤالًا.
كل سؤال يفتح هوة.
ثم فجأة قال أحدهم:
– وواش الحل؟ نعيشوا هكذا؟ شك في شك؟ صورة في صورة؟
لم أجب فورًا.
كنت أراقب الخارج.
الحقول تمتدّ، والجبال تقترب، والليل يهبط ببطء.
قلت أخيرًا:
فوكو كشف علاقة المعرفة بالسلطة. دولوز وغوتاري تكلموا عن الرغبة كقوة ثورية. كلهم هدموا أصنامًا. لكنهم لم يدلّونا دائمًا على الإله الحقيقي.
سألني الشاب النحيف:
– واش تقصد بالإله الحقيقي؟
نظرت في عيونهم واحدًا واحدًا.
قلت:
أقصد أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا معنى أعلى. بلا يقين. بلا وحي.
ساد صمتٌ طويل.
لم يكن صمت رفض… بل صمت تفكير.
القطار يقترب من بوفاريك.
أضواء صغيرة تلمع في البعيد كنجومٍ لم تسقط بعد.
في تلك اللحظة شعرت أن الحوار لم ينتهِ… بل بدأ للتو.
حين أعلن مكبر الصوت الوصول إلى بوفاريك، اهتزّ القطار كأنه يستعد لبوحٍ أخير.
الحقول في الخارج كانت مبللة بندى الليل، وأشجار البرتقال مصطفّة كجنودٍ خضر، والجبال البعيدة تبدو ككتفٍ يتكئ عليه الغيم.
التفتَ إليّ الشاب النحيف وقال:
– كي قلت وحي… حسّيت بلي راك تحكي على حاجة أكبر من السياسة والفلسفة.
قلت له:
لأن السياسة تتغير، والفلسفات تتبدل، لكن حاجة الإنسان للمعنى لا تموت. لما ليوتار أعلن موت السرديات الكبرى، كان يصف أزمة حقيقية: الناس لم يعودوا يثقون في قصص التقدم المطلق ولا في وعود الأيديولوجيات. لكن قتل القصة لا يلغي الحاجة إليها.
تدخل آخر:
– يعني كيما واحد يكسر البوصلة… بصح ما يقدرش يمشي بلا اتجاه.
ابتسمتُ: بالضبط.
أحدهم قال بنبرة ساخرة:
– ودريدا؟ واش دارلنا غير الشك.
قلت:
التفكيك كشف تناقضات النصوص، كشف كيف يمكن للسلطة أن تختبئ في اللغة. لكن لما يتحول التفكيك إلى عادة يومية، يصير الإنسان يشك حتى في حب أمه له.
ضحكوا قليلاً، ثم صمتوا.
كان في ضحكتهم شيء من الإقرار.
قال شاب كان يلبس قبعة سوداء:
– وفوكو؟ كلش عندو سلطة. حتى الطبيب ما بقى نثقو فيه.
قلت:
فوكو أراد أن يحذرنا من استبداد المؤسسات، لا أن يحرمنا من الثقة. لكنه حين صار يُقرأ كإنجيل للريبة، أصبح الشك عقيدة. صرنا نرى في كل قانون مؤامرة، وفي كل معرفة قيدًا.
ردّ أحدهم:
– بصح مرات القانون يظلم.
قلت:
صحيح. لكن غياب القانون يظلم أكثر.
مرّت لحظة صمت.
القطار يبطئ.
أنوار بوفاريك تقترب.
ثم قال الشاب الذي عرض لعبة الحرب:
– أنا نحس بلي رانا نعيشوا في فيلم كبير. كيما قال ذاك الفيلسوف… الصورة تغلب الواقع.
قلت:
جان بودريار. قال إننا دخلنا عصر المحاكاة، حيث الأصل يذوب في الصورة. لكن رغم ذلك، الدم الحقيقي لا يتحول إلى بكسل. الألم لا يُختصر في شاشة.
نظر إليّ بعينين حائرتين:
– يعني مازال كاين حقيقة؟
ابتسمت ببطء:
نعم. لو لم تكن هناك حقيقة، لما شعرتَ بالغضب حين ترى ظلمًا. الغضب نفسه دليل على وجود ميزان داخلي.
هنا دخلنا بوفاريك.
فتح الباب.
وقف الشباب واحدًا واحدًا.
صافحني الشاب الذي أعطاني مقعده أولًا.
قال:
– حديثك ماشي ساهل… بصح خلاّنا نفكرو.
قلت:
الفكر ماشي باش يريحنا… باش يوقظنا.
نزلوا جميعًا.
رأيتهم يمشون في الرصيف، يتجادلون حتى وهم يغادرون.
واحد يلوّح بيده، آخر يهز رأسه.
كانوا يبدون كأنهم يحملون سؤالًا جديدًا بدل كرة القدم.
أغلق الباب.
تحرك القطار من جديد نحو البليدة.
جلست وحدي.
المقعد الذي أفسحوه لي صار أوسع من مجرد خشب وحديد.صار مساحة تأمل.
تذكرتُ ما دار بيننا.ليوتار وهدم السرديات.
دريدا وتفكيك النصوص.فوكو وفضح السلطة.بودريار وذوبان الواقع.إدوارد سعيد وجرح الهوية.
دولوز وغوتاري والرغبة الهائمة بلا ضفاف.
كلهم كشفوا عيوبًا حقيقية في الحداثة.
لكنهم حين كسروا الأصنام، لم يدلّوا التائهين دائمًا على القبلة.
القطار يعبر الحقول الأخيرة قبل البليدة.
الهواء أبرد.القمر شاحب، لكنه ثابت.
قلت في سري:الخراب ليس في النقد.
الخراب في أن يتحول النقد إلى بيتٍ نسكنه للأبد.
الخراب أن نهدم السقف ثم ننام تحت المطر ونسمّي البلل حرية.الوحي… ليس نقيض العقل.الوحي بوصلة العقل.
ليس قفصًا للرغبة، بل ضفة للنهر حتى لا يتحول إلى غرق.ليس سجنًا للنص، بل روحًا تمنحه معنى يتجاوز الحبر.
حين أعلنوا موت السماء، لم تسقط السماء.الذي سقط هو يقينهم بها.
دخل القطار محطة البليدة،نزلتُ،الهواء هنا أعرفه.
الجبال تحيط بالمدينة كأذرع أمّ،مشيت نحو المخرج، وأفكر في أولئك الشباب.
جيلٌ وُلد في زمن الشك، يعيش بين صورةٍ وصورة، بين خبرٍ وخبر، بين حربٍ حقيقية وأخرى افتراضية.
لكن في أعينهم لمحت شيئًا لم يمت:
رغبة في الفهم،غضبًا على الظلم.
سؤالًا عن الحقيقة.
وهذا السؤال… هو أول الطريق.
في تلك الليلة الشتوية، أدركت أن أجنحة الخراب ليست نهاية السيمفونية.
هي مجرد حركة أولى.
بعدها يبدأ البحث عن لحنٍ آخر.
لحنٍ يقول:
نعم، هناك حقيقة.
نعم، هناك معنى لا تلتهمه الشاشات.
نعم، هناك عدالة لا تختزل في لعبة قوى.
نعم، هناك وجه إلهي لا يسقط بسقوط الفلاسفة.
عدتُ إلى بيتي،ويدي ما تزال تشعر بحرارة مصافحة أولئك الشباب.
شعرتُ أن القطار لم يكن وسيلة نقل،بل كان مرآةً لعصرٍ كامل…
عصرٍ يمشي في صحراء بلا نجم،لكنه ما زال يرفع رأسه إلى السماء.











