قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ مَحْذُوفٌ مِنَ الزَّمَنِ

د.عبد الرحيم الشويلي
القاهرة

لَمْ يَكُنْ حَسَنٌ يُؤْمِنُ إِلَّا بِالأَرْقَامِ. كَانَ يَثِقُ بِهَا أَكْثَرَ مِنَ البَشَرِ؛ فَهِيَ، فِي رَأْيِهِ، لَا تُجَامِلُ وَلَا تَخُونُ. أَمْضَى عُمْرَهُ يُحَوِّلُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى مُعَادَلَةٍ، حَتَّى عَلَاقَاتُهُ الإِنْسَانِيَّةُ أَخْضَعَهَا لِمَنْطِقِ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ. وَحِينَ غَادَرَ زُمَلَاؤُهُ مَكْتَبَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، أَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَقَبَ «الرَّجُلِ الَّذِي لَا يُخْطِئُ فِي الحِسَابِ».
بَعْدَ تَقَاعُدِهِ، قَرَّرَ أَنْ يُنْجِزَ مَشْرُوعَهُ الأَخِيرَ: بَرْنَامَجًا يَقِيسُ الرَّصِيدَ الإِنْسَانِيَّ لِلْمَرْءِ، اسْتِنَادًا إِلَى عَدَدِ أَصْدِقَائِهِ، وَمُكَالَمَاتِهِ، وَزِيَارَاتِهِ، وَالرَّسَائِلِ الَّتِي يَتَلَقَّاهَا.
أَدْخَلَ بَيَانَاتِهِ الشَّخْصِيَّةَ، وَانْتَظَرَ النَّتِيجَةَ.
ظَهَرَتْ عَلَى الشَّاشَةِ عِبَارَةٌ:
«الرَّصِيدُ الإِنْسَانِيُّ: صِفْرٌ».
اسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَأَعَادَ إِدْخَالَ البَيَانَاتِ. جَاءَتِ النَّتِيجَةُ ذَاتُهَا.
كَتَبَ: — مُسْتَحِيلٌ! لَدَيَّ عَائِلَةٌ وَأَصْدِقَاءُ وَمَعَارِفُ.
أَجَابَهُ البَرْنَامَجُ: «نَحْنُ لَا نَحْسِبُ عَدَدَ الَّذِينَ تَعْرِفُهُمْ، بَلْ عَدَدَ الَّذِينَ يَفْتَقِدُونَكَ».
تَوَقَّفَ حَسَنٌ. رَاجَعَ هَاتِفَهُ؛ لَمْ يَجِدْ مُكَالَمَةً فَائِتَةً، وَلَا رِسَالَةً جَدِيدَةً. فَتَحَ قَائِمَةَ الأَسْمَاءِ، وَرَاحَ يَتَأَمَّلُهَا وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرَ، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ سِجِلًّا لِأَشْخَاصٍ لَمْ يَعْرِفْهُمْ يَوْمًا.
كَتَبَ: — هَلْ تُوجَدُ طَرِيقَةٌ لِتَصْحِيحِ النَّتِيجَةِ؟
أَجَابَهُ البَرْنَامَجُ: «نَعَمْ، أَعِدْ إِدْخَالَ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ خَسِرْتَهُمْ بِسَبَبِ انْشِغَالِكَ بِحِسَابِ كُلِّ شَيْءٍ».
ارْتَجَفَتْ أَصَابِعُهُ. أَغْلَقَ البَرْنَامَجَ، ثُمَّ أَعَادَ تَشْغِيلَهُ، لَكِنَّ الشَّاشَةَ أَضَاءَتْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا.
ظَهَرَتْ رِسَالَةٌ أَخِيرَةٌ:
«عُذْرًا يَا حَسَنُ، تَعَذَّرَ العُثُورُ عَلَى أَيِّ شَخْصٍ يُمْكِنُهُ تَأْكِيدُ أَنَّكَ كُنْتَ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهِ».
حَدَّقَ فِي العِبَارَةِ طَوِيلًا، ثُمَّ حَاوَلَ إِغْلَاقَهَا.
ظَهَرَتْ نَافِذَةٌ صَغِيرَةٌ:
«هَلْ تُرِيدُ حَذْفَ حِسَابِكَ نِهَائِيًّا؟»
ضَغَطَ «نَعَمْ».
فَجَاءَهُ الرَّدُّ:
«لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ… لَقَدْ حُذِفْتَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ»…

الرابع من نوفمبر.
تشرين الثاني. 2026م.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24