بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
سلطنة عُمان – مسقط
كان الطفل في زمن آبائنا وأجدادنا يعود من المدرسة، فيضع حقيبته جانبًا، لكنه لم يكن يضع معها مسؤولياته.
قد يطلب منه والده أن يذهب إلى الدكان، أو يساعد في عمل البيت، أو يحمل حاجةً لجاره الكبير، أو يعتني بأخيه الأصغر، أو يستقبل الضيف ويقدم له ما يستطيع.
ولم يكن في غرفته كل ما يشتهي، ولا على مائدته كل ما يطلب، ولا في يده جهاز يفتح له العالم كله بضغطة إصبع.
ومع ذلك كبر كثير من أبناء ذلك الجيل وهم يعرفون معنى المسؤولية قبل أن يعرفوا تعريفها.
أما طفل اليوم، فقد يجلس في غرفة مكيفة، أمامه هاتف وجهاز ألعاب، وثلاجة ممتلئة، وملابس أكثر مما يحتاج، ويستطيع الوصول إلى العالم كله وهو مستلقٍ على سريره…
ثم تسمع صرخته من آخر البيت:
«الواي فاي انقطع!»
وكأن كارثة قد نزلت بالمنزل.
وهنا لا ينبغي أن نسخر من أبنائنا، بل أن نسأل أنفسنا:
هل أصبح هذا الجيل أضعف… أم أننا من شدة حبنا له أبعدنا عن طريقه كل شيء كان يمكن أن يجعله أقوى؟
حين كان المجتمع كله يربّي
في الماضي، لم تكن تربية الطفل مسؤولية الأب والأم وحدهما بالمعنى الاجتماعي الواسع.
كان هناك الجد والجدة.
والعم والخال.
والجار.
والمعلم.
والمسجد.
والحي.
وكان الطفل يعرف أن هناك منظومة من القيم تحيط به أينما ذهب.
فإذا أخطأ أمام رجل كبير، وجد من ينصحه.
وإذا رأى جارًا مسنًا يحمل شيئًا ثقيلًا، كان من الطبيعي أن يساعده.
وإذا دخل مجلسًا، تعلم متى يتكلم ومتى يصمت.
وإذا جاء الضيف، تعلم أن يقوم ويخدم ويرحب.
كانت التربية تتحرك خارج جدران البيت.
وكان المجتمع، بطريقة أو بأخرى، شريكًا في صناعة الإنسان.
لكننا لا نقول إن كل شيء في التربية القديمة كان مثاليًا.
كانت هناك أحيانًا قسوة زائدة، وكان بعض الأطفال لا يجدون مساحة كافية للتعبير عن مشاعرهم، وربما عوملت بعض الأخطاء بالشدة حين كان الحوار أولى.
ولا نريد أن نعيد للجار أو المعلم أو القريب حق إهانة الطفل أو الاعتداء عليه بحجة التربية.
إنما نفتقد شيئًا آخر:
الشعور بأن أبناء المجتمع مسؤولية أخلاقية مشتركة.
نريد أن نستعيد مسؤولية الأمس…
لا أخطاء الأمس.
كان يتعلم المسؤولية قبل أن يعرف اسمها
ربما لم يجلس الجد مع حفيده ليشرح له ساعتين معنى «تحمل المسؤولية».
كان يقول له ببساطة:
افعل هذا.
احمل هذا.
ساعد أمك.
اذهب مع أبيك.
رتب مكانك.
انتبه لأخيك.
وكان الطفل يفعل.
وهكذا كان يتعلم المسؤولية بالممارسة.
فالطفل كان يتعلم المسؤولية قبل أن يعرف معناها… لأنه كان يمارسها.
أما اليوم فقد نقع في تناقض عجيب.
نحمل عن الطفل حقيبته.
ونرتب غرفته.
ونجمع ملابسه.
ونضع طبقه أمامه.
ونأخذ الطبق بعد انتهائه.
ونحل مشكلاته.
وندافع عنه في كل خلاف.
ونذكره بكل موعد.
ونشتري له ما يطلب.
ثم يبلغ الثامنة عشرة فنقول له:
كن مسؤولًا!
لكن من أين تأتي المسؤولية فجأة؟
المسؤولية ليست زرًا نضغط عليه عندما يبلغ الطفل سن الرشد.
إنها عضلة تربوية تنمو منذ الصغر.
تبدأ عندما يرتب فراشه.
ويحافظ على أغراضه.
ويعيد الشيء إلى مكانه.
ويشارك في خدمة البيت.
ويدخر من مصروفه.
ويعتذر عندما يخطئ.
ويتحمل نتيجة بعض اختياراته.
هل نربّي أبناءنا… أم نعوّض طفولتنا؟
وهنا نصل إلى قضية دقيقة جدًا في التربية الحديثة.
يقول الأب:
«أنا حُرمت في طفولتي، ولن أحرم أبنائي.»
وتقول الأم:
«لم يكن عندنا شيء، أريد أن أوفر لأولادي كل شيء.»
والنية جميلة.
فمن منا لا يريد لأبنائه حياة أفضل من حياته؟
لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول أن نعوّض طفولتنا من خلال طفولة أبنائنا.
ليس كل ما حُرمنا منه كان ضروريًا.
وليس كل ما تمنيناه ونحن صغارًا يحتاجه أبناؤنا اليوم.
إن كنت قد حُرمت من الحنان…
فأعط ابنك الحنان.
وإن كنت قد حُرمت من الحوار…
فاسمعه.
وإن لم تجد من يشجع موهبتك…
فشجع موهبته.
وإن فاتتك فرصة تعليم جيدة…
فافتح له أبواب العلم.
لكن كونك لم تملك في طفولتك كل ما تمنيت، لا يعني أن الحب يقتضي أن تشتري لطفلك كل ما يتمناه.
وهنا فرق كبير بين أن نعطي أبناءنا ما يحتاجونه…
وأن نعطيهم كل ما حُرمنا نحن منه.
لا تعوّض طفولتك من خلال أطفالك؛ ربِّ أطفالك للحياة التي سيعيشونها هم.
هل الحرمان دائمًا سيئ؟
كلمة «الحرمان» تخيف بعض الآباء.
نخشى أن نقول للطفل:
لا.
ليس الآن.
لا نحتاج إليه.
لديك واحد يعمل.
اجمع من مصروفك.
انتظر إلى الشهر القادم.
لكن هل عدم تلبية كل رغبة يعد حرمانًا؟
بالطبع لا.
هناك حرمان مؤذٍ من الحقوق والاحتياجات الأساسية والحنان والتعليم والرعاية، وهذا لا ندعو إليه.
وهناك شيء آخر اسمه:
تعليم الطفل أن الحياة لا تمنحنا كل ما نريده في اللحظة التي نريده فيها.
وهذه تربية.
فالانتظار مهارة.
والصبر مهارة.
والادخار مهارة.
وتقبل الرفض مهارة.
والعيش دون الحصول على كل ما نشتهي مهارة.
بل هي مهارات سيحتاج إليها ابنك عندما يصبح رجلًا أو امرأة أكثر بكثير مما سيحتاج إلى الهاتف الذي أصر على شرائه اليوم.
والطفل الذي لم يسمع كلمة «لا» في البيت…
سيسمعها يومًا في الحياة.
لكن الحياة لن تقولها له بحنان أبيه وأمه.
من المسؤول عن كل شيء؟
هناك فرق كبير بين الطفل الذي يفكر:
ماذا تستطيع أسرتي أن تفعل لي؟
والطفل الذي يتعلم أيضًا أن يسأل:
ماذا أستطيع أن أفعل لأسرتي؟
فالبيت ليس فندقًا.
والأم ليست عاملة خدمة.
والأب ليس جهازًا للصرف.
والإخوة ليسوا أشخاصًا يعيش كل منهم في جزيرة منفصلة.
الأسرة مشاركة.
حتى الطفل الصغير يستطيع أن تكون له مسؤولية تناسب عمره.
ليس المطلوب أن نحمله هموم الكبار.
ولا أن نسرق طفولته.
بل أن نقول له من خلال أفعالنا:
أنت فرد في هذه الأسرة، ولك حقوق… وعليك مسؤوليات أيضًا.
جيل الواي فاي
نضحك عندما نقول إن بعض أطفال اليوم أكبر مصائبهم انقطاع الإنترنت.
لكن وراء النكتة سؤال تربوي عميق.
التقنية ليست عدوًا.
والهاتف والإنترنت والألعاب ليست شرًا في ذاتها.
وأبناؤنا يعيشون في عصر مختلف عن عصر أجدادهم، ولا يمكن أن نطلب منهم أن يعيشوا حياة لم تعد موجودة.
لكن الخطر أن تصبح الراحة هي الحالة الطبيعية الوحيدة التي يعرفها الطفل.
غرفة مكيفة دائمًا.
طعام حاضر.
ماء وكهرباء.
إنترنت.
جهاز شخصي.
توصيل إلى الباب.
ترفيه متواصل.
وكل مشكلة يسارع الأب والأم إلى حلها قبل أن يشعر الطفل بها.
عندها قد يكبر وهو يعتقد أن الحياة يجب أن تستجيب له بالطريقة نفسها.
لكنها لن تفعل.
ستأتي أيام ينتظر فيها.
ويُرفض.
ويفشل.
ويفقد.
ويتعب.
ويعمل تحت ضغط.
ويلتقي بأناس لا يهتمون بمشاعره كما يفعل والداه.
ولهذا فإن أعظم ما نقدمه لأبنائنا ليس أن نزيل كل العقبات من أمامهم…
بل أن نعلمهم كيف يتجاوزون العقبات عندما تظهر.
حين يريد الأب أن يكون صديقًا فقط
جميل أن يكون الأب قريبًا من أبنائه.
أن يضحك معهم.
ويجلس إليهم.
ويستمع إلى أسرارهم.
ويحترم شخصياتهم.
وجميل أن تشعر الابنة أن أمها ملاذ لها، لا محكمة تنتظر أخطاءها.
وهذه من أجمل مكاسب الوعي التربوي الحديث.
لكن القرب لا يعني أن تختفي الحدود.
فالأب ليس صديقًا فقط.
والأم ليست صديقة فقط.
هناك مسؤولية اسمها التربية.
وأحيانًا تقتضي التربية أن تقول:
لا.
حتى لو غضب ابنك.
وأن تمنعه.
حتى لو لم يفهم قرارك الآن.
وأن تجعله يتحمل نتيجة خطئه بدل أن تهرع في كل مرة لإنقاذه منها.
فالأبوة والأمومة ليستا مسابقة للحصول على رضا الأبناء.
الحب ليس أن تمنح ابنك كل ما يجعله سعيدًا اليوم؛ أحيانًا يكون الحب أن تمنعه مما قد يجعله ضعيفًا غدًا.
لا نريد العودة إلى الماضي
الحل ليس أن نقول:
كان زماننا أفضل في كل شيء.
فلم يكن كذلك.
وليس الحل أن نحرم أبناءنا من التقنية والراحة والتعليم الحديث حتى يعيشوا كما عاش أجدادهم.
هذا أيضًا ليس منطقيًا.
نحن لا نريد طفل الأمس بكل ظروفه، ولا طفل اليوم بكل رفاهيته.
نريد أن نأخذ من الماضي صلابته، ومن الحاضر وعيه.
نريد طفلًا يعرف التقنية…
لكنه يستطيع العيش لبعض الوقت دونها.
يملك هاتفًا…
لكن الهاتف لا يملكه.
يعرف حقوقه…
ويعرف واجباته.
يتحدث ويعبّر عن رأيه…
لكنه يعرف متى يصمت ويحترم الكبير.
يعيش في بيت مريح…
لكنه يعرف أن وراء هذه الراحة أبًا وأمًا يعملان ويتعبان.
يجد الطعام على المائدة…
لكنه يعرف أن الطعام نعمة، وأن هناك من لا يجده.
يجد الحب في بيته…
لكن الحب لا يمنعه من سماع كلمة «لا».
علّموهم قيمة ما بين أيديهم
ربما لا يحتاج أبناؤنا إلى مزيد من الأشياء.
ربما يحتاجون إلى أن نعلمهم قيمة الأشياء التي لديهم بالفعل.
أن يعرف الطفل أن الكهرباء التي يتركها تعمل لها ثمن.
وأن الماء الذي يهدره نعمة.
وأن الطعام الذي يرميه وراءه مال وتعب ونعمة من الله.
وأن السيارة التي توصله كل يوم لم تظهر أمام البيت وحدها.
وأن البيت الذي يشعر فيه بالأمان بُني من سنوات من العمل والتعب والمسؤولية.
ولا بأس أن يعرف الابن – بما يناسب عمره – أن الحياة لها تكاليف.
ليس حتى نحمله همومنا…
بل حتى لا يكبر وهو يعتقد أن النعم تظهر تلقائيًا.
فالامتنان لا ينمو في قلب طفل يعتقد أن كل شيء من حقه.
أعدّوا أبناءكم للحياة… لا للبيت فقط
في النهاية، أبناؤنا لن يبقوا تحت أجنحتنا إلى الأبد.
سيخرجون إلى الحياة.
سيدرسون.
ويعملون.
ويتزوجون.
ويتحملون مسؤولية أسر.
وسيواجهون أوقاتًا جميلة، وأخرى صعبة.
لن نستطيع أن نسير أمامهم طوال العمر لنزيل كل حجر من الطريق.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
كيف أجعل طفولة ابني خالية من الصعوبات؟
بل:
كيف أجعل ابني قادرًا على مواجهة الصعوبات دون أن تكسره؟
لا نريد أبناءنا أن يعانوا كما عانى بعضنا.
ولا نريد أن نحرمهم لأننا حُرمنا.
ولا أن نقسو عليهم لأن الحياة قست علينا.
لكننا في المقابل لا نريد أبناءً لا يعرفون قيمة النعمة، ولا معنى المسؤولية، ولا كيف يواجهون أول باب يُغلق في وجوههم.
امنحوهم الحب…
لكن أعطوهم المسؤولية معه.
وفروا لهم الراحة…
لكن علموهم أن الراحة نعمة وليست حقًا دائمًا.
اسمعوا أصواتهم…
وعلموهم أن يسمعوا الآخرين.
أعطوهم…
وعلموهم أن يعطوا.
احموهم…
لكن لا تمنعوهم من كل تجربة تجعلهم أقوى.
فنحن لا نربي أبناءنا للسنوات التي سيعيشونها معنا فقط…
نحن نربيهم للسنوات التي سيعيشونها من دوننا.
ولهذا، ليست مهمتنا أن نفرش طريق أبنائنا بالورود حتى لا تجرح أقدامهم…
بل أن نمنحهم أقدامًا قوية تستطيع السير، حتى حين لا يكون الطريق مفروشًا بالورود.














