وجوه تبتسم وقلوب تنسج الأكاذيب

بقلم: المستشار فادي حسين محمد أبو شاويش
فلسطين ـ غزة /الأحد 19/7/2026م
كان هناك إنسانٌ يمضي في حياته بهدوء، يعمل ويجتهد ويحاول أن يحافظ على صورته الطيبة بين الناس، لكنه اكتشف يومًا أن أكبر ما يؤلمه لم يكن صعوبة الطريق، بل كلمات قيلت عنه في غيابه، وحكايات نُسجت من الظنون، وأحكام أُطلقت دون أن يسأله أحد عن الحقيقة.
فبعض الجراح لا تُرى بالعين، لكنها تترك أثرًا عميقًا في النفس؛ جرح الظلم بالكلمة، وتشويه السمعة، وتحويل الإنسان من شخص يُعرف بأفعاله إلى صورة رسمها الآخرون بأكاذيبهم.
في أوقات الأزمات، يظهر معدن الإنسان الحقيقي؛ فهناك من يمد يده ليُساند ويخفف الألم، وهناك من يستغل ضعف اللحظات ليبحث عن أخطاء الآخرين، أو يضيف إلى وجعهم وجعًا آخر بالكلام والافتراء.
فالإنسان قد يتحمل الكثير من صعوبات الحياة، لكنه قد يتألم بشدة عندما يُظلم في صورته أمام الناس، أو عندما تُنسب إليه أمور لم يفعلها، أو عندما يتحول الكلام إلى وسيلة لهدم ما بناه طوال سنوات من جهد وتعب.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يجعل من البحث عن عيوب الآخرين طريقًا للشعور بالأهمية. فبعض الناس لا يبحثون عن إصلاح الخطأ، بل يبحثون عن الزلات ليصنعوا منها قصة، وعن النقص ليغطوا به على نقائصهم.
المشكلة ليست في النصيحة الصادقة، فالنصيحة دليل محبة وحرص، لكن المشكلة في من يرتدي ثوب الناصح، ويعطيك من طرف اللسان حلاوة، ويظهر أمامك وكأنه الأكثر خوفًا عليك، بينما يكون في الخفاء أول من ينقل الكلام ويضيف إليه ما ليس فيه.
كم من إنسان ابتسم في وجه أخيه، ثم عندما غاب عنه بدأ ينسج الروايات، ويجمع الكلمات، ويحوّل الظنون إلى اتهامات. وكأن إسقاط الآخرين أصبح وسيلة لإثبات الذات ورفع المكانة.
إن الظلم بالكلمة قد يكون من أشد أنواع الظلم أثرًا؛ لأن الجرح الذي تصنعه الشائعة قد يبقى طويلًا، وقد تهدم كلمة واحدة صورة إنسان بناها بسنوات من العمل والصبر والعطاء.
وفي المجتمعات التي مرّت بالأزمات، يحتاج الناس أكثر من أي وقت مضى إلى الرحمة والتثبت وحفظ الكرامة. فليس كل ما يُسمع حقيقة، وليس كل ما يُنقل يستحق الانتشار، وليس كل من يدّعي الحرص يحمل بالضرورة قلبًا صادقًا.
الإنسان النبيل لا يبحث عن عيوب الناس ليشعر بأنه أفضل، بل يبحث عن طرق لمساندتهم وإصلاح الأخطاء بالحكمة. فالقوة ليست في كشف عثرات الآخرين، بل في القدرة على الستر والنصح والإصلاح.
لا تجعلوا من ألسنتكم أدوات لهدم الآخرين، ولا تجعلوا من اختلافكم سببًا للتشهير. فالإنسان قد يمر بظروف لا يعلمها أحد، وقد يخطئ ثم يعود ويصلح، ومن الرحمة أن نترك باب الإصلاح مفتوحًا.
إن قيمة الإنسان لا ترتفع عندما يُسقط غيره، ولا يصبح أفضل عندما يرسم الآخرين بصورة سيئة. أصحاب القيم لا يحتاجون إلى تشويه أحد حتى يثبتوا أنفسهم، لأن أخلاقهم هي التي تتحدث عنهم.
وفي النهاية، ستبقى الحقيقة أقوى من الأكاذيب، وستبقى الأخلاق أعلى من التشهير. فاحفظوا ألسنتكم، واحترموا غياب الناس كما تحترمون حضورهم، لأن الإنسان يُعرف بأخلاقه عندما لا يكون هناك من يراقبه.
فالإنسان الحقيقي ليس من يبدو ملاكًا أمام الناس، بل من يكون صادقًا عندما لا يراه أحد.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24