مونديال انتهى… ومشروع يجب أن يبدأ

بقلم: د. باهرة الشيخلي

لم يكن خروج المنتخب العراقي من نهائيات كأس العالم 2026 مجرد نهاية لمشاركة رياضية، بل كان لحظة مراجعة حقيقية لكل ما يتعلق بمستقبل كرة القدم العراقية. فالهزيمة القاسية أمام المنتخب السنغالي بخمسة أهداف دون مقابل لم تُنهِ مشوار “أسود الرافدين” في البطولة فحسب، بل كشفت أيضاً حجم الفجوة التي ما زالت تفصل الكرة العراقية عن المنتخبات التي بنت نجاحها عبر سنوات طويلة من التخطيط والاستقرار والعمل المؤسسي.
دخل المنتخب العراقي المونديال حاملاً آمال ملايين العراقيين الذين انتظروا سنوات طويلة لرؤية علم العراق يرفرف مجدداً في أكبر محفل كروي في العالم. غير أن الواقع كان أكثر صعوبة مما تمنته الجماهير، خاصة بعدما وضعت القرعة العراق في مجموعة ضمت منتخبات تمتلك خبرة عالمية وإمكانات فنية وبدنية كبيرة، مثل فرنسا والنرويج والسنغال.
ورغم أن فارق الإمكانات كان واضحاً، فإن المشكلة لم تكن في قوة المنافسين وحدها، بل في عدم قدرة المنتخب العراقي على الحفاظ على نسق أداء ثابت طوال المباريات. فقد ظهرت ثغرات واضحة في التنظيم الدفاعي، وضعف في الانتقال بين الدفاع والهجوم، إضافة إلى صعوبة الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، وهو ما منح المنافسين أفضلية واضحة في السيطرة على مجريات اللعب واستثمار الأخطاء الفردية والجماعية.
كما كشفت البطولة أهمية الإعداد البدني الحديث، إذ بدا الفارق واضحاً في سرعة الأداء وقوة الالتحامات والقدرة على المحافظة على الإيقاع العالي طوال تسعين دقيقة. وفي البطولات الكبرى، لا تكفي المهارة وحدها، بل تصبح اللياقة البدنية والجاهزية الذهنية عناصر حاسمة في صناعة الفارق.
أما العامل النفسي، فقد كان أحد أكثر الجوانب تأثيراً في مسيرة المنتخب. فبعد الخسارتين الأوليين، دخل اللاعبون المباراة الثالثة وهم يحملون عبء النتائج وضغط الجماهير والإعلام، ومع استقبال الأهداف المبكرة تراجعت الثقة بالنفس، وفقد الفريق القدرة على العودة إلى أجواء اللقاء، لتصبح المباراة أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
لكن، ورغم قسوة الخروج، فإن البطولة قدمت دروساً ثمينة لا ينبغي التفريط بها. فقد أثبتت أن العراق ما زال يمتلك خامات بشرية واعدة ولاعبين قادرين على التطور، إلا أن الموهبة وحدها لا تكفي لتحقيق الإنجازات. فالنجاح في كرة القدم الحديثة يبدأ من الأكاديميات، ويمر عبر مسابقات محلية قوية، ومدربين مؤهلين، وإدارة مستقرة، وبرامج إعداد طويلة المدى، قبل أن يصل إلى المنتخب الوطني.
إن المنتخبات التي تنافس اليوم على الألقاب العالمية لم تُبنَ في موسم واحد، بل هي حصيلة مشاريع رياضية استمرت سنوات طويلة. ولذلك فإن تحويل هذه المشاركة إلى نقطة انطلاق لمشروع إصلاحي شامل سيكون أهم مكسب يمكن أن يخرج به العراق من هذه التجربة.
إن الجماهير العراقية، التي بقيت وفية لمنتخبها في أصعب الظروف، تستحق كرة قدم تليق بتاريخ العراق الرياضي. وهي لا تنتظر المعجزات، بقدر ما تنتظر رؤية مشروع واضح، يقوم على التخطيط والاستمرارية والمحاسبة والعمل العلمي، بعيداً عن ردود الأفعال المؤقتة.

الخاتمة الاستشرافية
قد تكون النتيجة مؤلمة، لكن التاريخ الرياضي يعلمنا أن الهزائم ليست دائماً نهاية الحكاية، بل كثيراً ما تكون بداية لولادة جديدة. والمونديال الذي ودعه العراق مبكراً يجب ألا يُقرأ باعتباره محطة إخفاق فقط، بل فرصة لإعادة بناء مشروع كروي أكثر نضجاً واستدامة.
لقد انتهت البطولة، لكن المهمة الحقيقية تبدأ الآن؛ فالمستقبل لا تصنعه نتائج المباريات، بل تصنعه القرارات التي تُتخذ بعدها. وإذا أحسن العراق قراءة دروس هذا المونديال، فقد يتحول إخفاق اليوم إلى الأساس الذي تُبنى عليه إنجازات الغد، ويعود أسود الرافدين إلى الساحة العالمية أكثر قوة وثقة واستعداداً للمنافسة.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24