د. عامر الدليمي
الحلقة الأولى: الديمقراطية والحداثة والتجديد
الديمقراطية ليست مجرد نظامٍ اجتماعي أو سياسي، بل هي محركٌ أساسيٌّ للتقدم؛ فهي تخلق بيئةً تشاركيةً تمكّن الأفراد والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في البلد من المشاركة في شؤونه الداخلية والخارجية، وتكون حجر الزاوية للتنمية البشرية، ولها دورٌ محوريٌّ في بناء مجتمعٍ قويٍّ مستقرٍّ مزدهرٍ؛ إذ تسمح للأحزاب والحركات السياسية بالعمل بحريةٍ تامة، مما يجعلها شريكًا فاعلًا في الإصلاح الاجتماعي وصنع القرارات، وضمان الحقوق والحريات وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة وسيادة القانون، من خلال فتح قنواتٍ للحوار معها،مما تشكل إحدى أهم الادوات القانونية والسياسية ، ومحاربة الفساد، وتوفير الخدمات، ، ومحاربة الدكتاتورية والاستبداد والتطرف العنصري.
وهي ثورةٌ وطنيةٌ سلميةٌ ضد التخلف والجهل والانغلاق الفكري والثقافي، إذا طُبِّقت بأُطُرٍ وأسلوبٍ حضاريٍّ تجديديٍّ معاصر ، معبرةً عن هويةٍ ليبراليةٍ تحمي الشعب، وتعمل من أجل رفاهيته وإسعاده وتأمين مستقبله، وكل ما تحتاج إليه الإنسانية في عصر الحداثة والتجديد الفكري والمعاصرة.
فعلاقة الديمقراطية بالحداثة علاقةُ تواصلٍ وضرورةٍ اجتماعية، تعمل على استنهاض الوعي الاجتماعي، وعدم بقائه في خانة الانعزال والانكفاء والتكلس البنيوي والإدراك المفاهيمي. والتجديد هو نقدُ الأفكار القديمة التي لا تتواءم مع عصر التقدم الحضاري والريادة الثقافية، ولا سيما الأفكار التي لا تنسجم مع الواقع العقلي لمجتمعٍ متنورٍ حضاريًّا وفكريًّا، كالخرافات والبدع والخزعبلات التي لا يوجد لها سندٌ أو دليلٌ علمي، مصدرُه عقلٌ راجحٌ يفكر في حياةٍ واسعةٍ للازدهار، ومصداقيةٌ إدراكيةٌ وجدانية.
والحداثة ليست قطيعة مع الماضي بقدر ما هي مراجعة عقلانية له ، تقوم على نقد الأفكار التي فقدت قدرتها على تفسير الواقع أو الاسهام في تقدمه ، وهي طرحُ رؤىً جديدةٍ تفتح الباب أمام تنافس الأفكار واختيار الأفضل لصالح المجتمع، كما في العمل الديمقراطي، عندما تتنافس القوى السياسية وأحزابها ومنظمات المجتمع المدني لتقديم ما هو أفضل لحياةٍ مستقرةٍ متقدمةٍ معاصرةٍ تلبي الحاجات العامة، وتوفر مساحةً من الاستقرار المجتمعي وحرية التنافس في التنوع السياسي والثقافي، وإبراز ظاهرة الإبداع في الرؤى والأفكار.
ولذلك لا يمكن أن تكون الديمقراطية بمعزلٍ عن ثقافة التجديد والحداثة المعاصرة في عصر الإلكترونيات والتقنيات العلمية، مع تقبل الاختلاف في بيئةٍ سليمةٍ للتفكير والعطاء، بروحٍ من التسامح والاحترام المتبادل. وللحداثة دورٌ مهمٌّ في بناء مجتمعٍ ديمقراطي، تشكل قوةً دافعةً له، وتسهم في توعيته للمشاركة في قيمٍ اجتماعيةٍ لها تأثيرٌ في العمل السياسي، واحترام التفكير النقدي في مناقشةٍ مستنيرةٍ لتطوير مهارات الحوار والاستماع إلى آراء الآخرين، والتوصل إلى مفاهيم مشتركة لعنوانٍ واحد، هو بناء مجتمعٍ متقدمٍ يخدم جميع مواطني البلد، بغضِّ النظر عن الجنس أو العرق أو الدين.
وهي أيضًا أساسٌ مهمٌّ وقاعدةٌ لبناء المجتمع الديمقراطي المتفهم لواجباته من خلال المشاركة الفاعلة التي تسهم في تنمية الإبداع في زمن العصرنة والتطور الحضاري، لغرض التنمية المستدامة، وليس تدوير عاداتٍ أو تقاليدَ أو ثقافةٍ قديمةٍ في مجتمعٍ متقدمٍ حضاريًّا وعلميًّا، ليس لها مصداقيةٌ عقليةٌ راجحة، ولا برهانٌ أو منطقٌ ناضج.
لذلك، ليس هناك ثقافةٌ ديمقراطيةٌ تعتمد على أساليب قديمة، ليس لها قواعد حضارية متقدمة، تخدم الشعب أو يشترك فيها عن قناعةٍ ودرايةٍ كاملتين، أو تعتمد على معتقداتٍ خاطئة، مع غياب الحريات وانعدام المساواة، مما يقيدها عمليًّا.
ولذا، فإن إدراك أهمية العمل الديمقراطي إنما يكون بمدى اقترانه بالحداثة والتجديد الثقافي والأفكار العلمية في صناعة المستقبل. وليس ذلك فحسب، فالحداثة اتجاهٌ فكريٌّ يدخل في مجالاتٍ عديدةٍ: ثقافية، وإدارية، وعلمية، وتاريخية، وتشير إلى مراجعةٍ وتجديدٍ لكل ما هو بالٍ لا يتوافق أو ينسجم مع التطور الحضاري، الذي ينشئ بيئاتٍ جديدةً لتعجيل حركة الحياة دون جمودٍ أو انغلاقٍ فكري أو تصحرٍ ثقافي، بل يفتح المجال أمام حركةٍ إبداعيةٍ في العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية المستقبلية.
وكما تحاول الممارسة الديمقراطية تنمية الوعي الاجتماعي للمشاركة الفاعلة في تطوير المجتمع وتلبية حاجاته، من خلال صناديق الاقتراع وإدلاء الناخب بصوته الى المرشح كاختيار شخصي ، وصولًا إلى حالةٍ أكثر استقرارًا وازدهارًا، والحداثة منهجٌ ومشروعٌ علميٌّ حاضنته البشرية لتقديم إنجازاتٍ مستقبلية، ولم تكن قفزةً عائمةً في الهواء دون سند. وكذلك العمل الديمقراطي؛ فهو أيضًا منهجٌ ومشروعٌ يعتمد على حاضنةٍ اجتماعية، ويقدم إنجازاتٍ للمستقبل.
وبالإمكان القول إنهما اتجاهان أو عاملان لمسارٍ واحدٍ في خدمة الإنسانية والمجتمعات، والتعبير عن التغيير، وتوفير حاضرٍ يحتاج إلى تجديدٍ في مفاهيم وسلوك البشر، من أجل مستقبلٍ إبداعيٍّ يتحرر من التقليد والجمود والانغلاق، للنهوض في مختلف المجالات، والتحول الكبير في الرؤية الثقافية والوعي الاجتماعي، باستخدام عقلٍ مفكرٍ منتج، وضبط الحياة على إيقاع التحولات الاجتماعية الناتجة عن ابتكاراتٍ حديثةٍ مستندةٍ إلى معرفةٍ فكريةٍ إنسانيةٍ فاعلة، من خلال برمجياتٍ، كالديمقراطية التي تُعد أحد عوامل الطرائق الحديثة المستندة إلى إبداعٍ حداثيٍّ معاصر، وتشاركيةٍ في الأفكار والمفاهيم والتصورات، تسعى إلى نموٍّ اجتماعي وحداثةٍ بيئيةٍ ملازمةٍ لتطور الإنسان، وفق ظروفٍ وتياراتٍ فكريةٍ سائدة، إضافةً إلى نظام حكمٍ ديمقراطيٍّ مسؤولٍ عن المجتمع، يلبي احتياجاته الإنسانية.
كما تطرح الحداثة أسئلةً لمناقشتها عمليًّا، محاولةً الوصول إلى أجوبة، كذلك تستطيع الديمقراطية طرح الأسئلة والإجابة عنها من خلال آلياتٍ مختصةٍ لإنجاز عملها بطرائقها الخاصة، بوصف ذلك مبدأً ثابتًا فيها، ومظهرًا من مظاهر التجديد والحداثة المعاصرة، وجهودًا علميةً وثقافيةً تدل على الإبداع والابتكار، وحالةٍ من التقدم العلمي، ومن مسلمات النهوض الاجتماعي التي تمنحها خصائصها المميزة.
لذلك، لا يمكن تجاوز علاقة الديمقراطية بالحداثة والتجديد الفكري والإبداع المجتمعي، كونها جميعًا تسير في خطٍّ واحدٍ يواكب عصر التقدم نحو مجتمعٍ أكثر تفاؤلًا، ودلالةً على طموحٍ مشتركٍ وأملٍ في الحياة، وتطلعٍ نحو مستقبلٍ أفضل، قائمٍ على التكامل والتعاون في الجهود، وتلبية متطلبات المجتمعات والحياة المعاصرة، وتوأمةٍ مع عصر الثقافة والقيم الإنسانية، ومهارات التفكير الإيجابي المستنير، والتواصل مع مفاهيم مشتركة تصب في مصلحة المجتمع، بروحٍ من التسامح والاحترام المتبادل، لبناء مجتمعٍ ديمقراطي يؤمن بالحداثة والتجديد، ويعمل من أجل صناعة مستقبلٍ واعدٍ للجميع، دون انكفاءٍ عن أي شريحةٍ اجتماعيةٍ أو فئةٍ معينةٍ لأسبابٍ لا تمت إلى حقوق الإنسان المتطور بصلة، مع احترام الذات على أسسٍ أخلاقيةٍ وقانونيةٍ وإنسانية، تجدد روح العصر، وتحترم القيم والإنسانية في وجودها.
وتتفق الديمقراطية والحداثة والتجديد في السعي نحو تطوير الإنسان وبنائه بناءً عصريًّا يواكب التطور الإنساني والمجتمعي الحاضر، بينما تختلف في نطاقها؛ فالديمقراطية نظامٌ سياسيٌّ لإدارة الحكم وفق آلياتٍ وسنِّ قوانينٍ تضمن حقوق الأفراد عبر صناديق الاقتراع، والحداثة مسارٌ فكريٌّ وثقافيٌّ شامل، وآليةٌ تشمل العلم والعقلانية وتنظيم الدولة الحديثة، أما التجديد فهو عمليةُ إصلاحٍ للأفكار والأساليب القديمة لعدم ملاءمتها مع روح العصر.
والمفاهيم الثلاثة تتوافق في خدمة الإنسان وتحسين حياته، وتعتمد جميعها على العقل البشري؛ فالديمقراطية ترفض الاستبداد، والحداثة ترفض التخلف، والتجديد يرفض التقليد الأعمى.















