بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
لكل إنسان زمانه.
زمانٌ يركض فيه طفلًا لا يعرف من الدنيا إلا اللعب، وزمانٌ تضطرب فيه مشاعره مراهقًا فيبحث عن ذاته، وزمانٌ يشتد فيه عوده شابًا فيجرب ويغامر ويبني مستقبله، ثم تأتي سنوات النضج، فيفترض أن تهدأ فيها العاصفة قليلًا، وأن تتحول التجارب إلى حكمة، والأخطاء إلى دروس، والعمر إلى وقار.
لكن بعض الناس يكبرون في أعمارهم…
*ولا تكبر معهم تصرفاتهم.*
تنظر إلى أحدهم وقد بلغ الخمسين أو الخامسة والخمسين، وربما طرق باب الستين، فإذا بالسنوات ظاهرة في ملامحه، لكنها غائبة عن بعض أفعاله.
لا يزال يريد أن ينافس أبناء العشرين في كل شيء.
في مظهره، وحركاته، وطريقة حديثه، وتصرفاته، وربما في علاقاته واهتماماته، وكأنه يخشى أن يعترف بأن مرحلة من حياته قد انتهت وبدأت مرحلة أجمل منها لو أحسن استقبالها.
وهنا يأتي السؤال:
*هل أن تكبر في العمر يعني أن تتوقف عن الحياة؟*
بالطبع لا.
لكن هل أن تحب الحياة يعني أن تتصرف وكأنك لم تكبر؟
أيضًا لا.
*اعرف عمرك… ولا تخجل منه*
من أجمل ما يصل إليه الإنسان أن يتصالح مع عمره.
فالعشرين ليست أجمل من الخمسين في كل شيء، كما أن الخمسين ليست أفضل من العشرين في كل شيء.
لكل عمر جماله.
في العشرين قوة البدايات.
وفي الثلاثين بناء التجربة.
وفي الأربعين شيء من اكتمال الرؤية.
وفي الخمسين نضج لا يشتريه المال.
وفي الستين رصيد من الحياة لا يملكه ابن العشرين مهما قرأ من الكتب.
فلماذا يحاول بعض الناس الهرب من أعمارهم؟
الشعر الأبيض ليس عيبًا.
والتجاعيد ليست هزيمة.
وهدوء الإنسان ليس موتًا.
بل قد تكون تلك العلامات كلها شهادة تقول:
لقد مررت من هنا… وعشت وتعلمت ورأيت ما لم يره الأصغر منك.
المشكلة ليست أن يكبر الإنسان.
المشكلة أن يكبر وهو يعتقد أن قيمته كانت في شبابه فقط.
*شابُّ الروح… أم مراهق التصرف؟*
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين يختلطان كثيرًا.
أن تكون شاب الروح شيء جميل.
أن تضحك.
وتمازح أبناءك وأحفادك.
وتمارس الرياضة.
وتسافر.
وتتعلم تقنية جديدة.
وترتدي لباسًا جميلًا وأنيقًا.
وتجرب هواية جديدة.
وتجلس مع الشباب وتفهم لغتهم.
وتظل متفائلًا بالحياة.
كل ذلك جميل، بل إن الإنسان يحتاج إليه حتى لا يشيخ داخله قبل جسده.
لكن أن تكون شاب الروح لا يعني أن تكون مراهق التصرف.
هناك فرق بين الحيوية والطيش.
وبين الأناقة والتصابي.
وبين المرح وخفة العقل.
وبين مواكبة العصر ومحاولة سرقة مرحلة عمرية تخص جيلًا آخر.
فالشباب حالة جميلة في القلب، أما المراهقة فلها عمر ينبغي أن نتجاوز أخطاءه لا أن نستعيدها.
*ماذا فعلت بك السنوات؟*
إذا بلغ الإنسان الخمسين وهو يتصرف بالطريقة نفسها التي كان يتصرف بها في العشرين، فالسؤال ليس:
كيف بقي شابًا؟
بل ربما يكون السؤال:
ماذا علمته ثلاثون سنة من الحياة؟
مرَّ عليه موت وولادة.
ونجاح وفشل.
وصديق جاء وصديق رحل.
وأبواب فتحت وأخرى أغلقت.
وربما أصبح أبًا، ثم صار أبناؤه أنفسهم شبابًا.
فإذا لم تترك كل تلك السنوات شيئًا من الحكمة في كلامه، ولا شيئًا من الاتزان في قراراته، ولا شيئًا من الرحمة في قلبه، فما الذي أضافه العمر إليه سوى الرقم؟
فالعمر الحقيقي ليس عدد السنوات التي مرت علينا…
بل مقدار ما تركته تلك السنوات فينا.
*لكل مقام مقال… ولكل عمر جمال*
وفي مجتمعاتنا العربية والخليجية خصوصًا، هناك مكانة اجتماعية للكبير.
ليس المقصود أن نحاصره بقيود الناس ونقول له: «عيب، لقد كبرت» كلما أراد أن يفرح.
بل المقصود أن هناك وقارًا جميلًا يزداد جمال الإنسان به كلما تقدم عمره.
فالذي كان أبناؤه ينظرون إليه أبًا، قد يصبح أحفاده ينظرون إليه جدًّا.
والذي كان يتعلم من الكبار، أصبح اليوم من أولئك الذين ينتظر الأصغر منهم أن يتعلموا منه.
وهذه ليست خسارة للحرية.
إنها ترقية في المكانة.
فلا تجعل رغبتك في إثبات أنك ما زلت شابًا تفقدك جمال المكان الذي أوصلك إليه العمر.
أحيانًا يكون الرجل أكثر هيبة وجمالًا عندما يتصرف كرجل في الخمسين واثق من نفسه…
من أن يحاول إقناع الجميع بأنه ابن الخامسة والعشرين.
*«عامل الكبير كأنه شاب»*
وهناك معنى جميل يتناقله الناس: أن تعامل الكبير بشيء من روح الشباب حتى تبعث فيه الحيوية، وأن تعامل الصغير بشيء من الحكمة حتى تعينه على النضج.
والمعنى جميل إن فهمناه جيدًا.
أن تشجع الكبير على الحركة والحياة والمشاركة.
ألا تجعله يشعر أنه انتهى.
ألا تعامله وكأنه عاجز لمجرد أن شعره شاب.
لكن ذلك لا يعني أن نطلب منه أن يتخلى عن نضجه حتى يثبت حيويته.
فالحيوية لا تحتاج إلى مراهقة، والوقار لا يحتاج إلى عبوس.
يمكنك أن تكون في الستين وتضحك من قلبك.
وتكون مرحًا وأنيقًا ورياضيًا.
وتجلس مع أحفادك وتلعب معهم.
ثم تنهض من بينهم محتفظًا بحكمة الستين.
وهذا أجمل بكثير من أن تحاول أن تصبح واحدًا منهم.
*لا تجعل أبناءك ينافسونك على أعمارهم*
هناك آباء وأمهات يصعب عليهم تقبل انتقال الضوء إلى الجيل الجديد.
يكبر الأبناء، ويصبح لهم حضورهم واختياراتهم ومرحلتهم، فيشعر بعض الآباء دون وعي أن أبناءهم يذكرونهم بما فقدوه من شباب.
فتبدأ المنافسة.
في المظهر.
أو الاهتمام.
أو إثبات الحضور.
لكن أبناءك لم يأخذوا شبابك منك.
إنهم يعيشون شبابهم كما عشت شبابك أنت.
دعهم يعيشون زمانهم.
وكن حاضرًا فيه بحكمتك، لا منافسًا لهم عليه.
فأجمل علاقة بين جيلين ليست أن يحاول الكبير أن يصبح صغيرًا…
ولا أن يجبر الكبير الصغير على أن يصبح كبيرًا قبل أوانه.
بل أن يعطي كل جيل الآخر شيئًا مما يملك:
الشباب يمنح الكبير حيوية، والكبير يمنح الشباب حكمة.
*لا تجعل المجتمع يسجنك أيضًا*
ومع كل ذلك، علينا أن نكون منصفين.
فكما ننتقد من يتصنع المراهقة، ينبغي أن ننتقد مجتمعًا يريد دفن الإنسان حيًا بمجرد أن يبلغ الخمسين أو الستين.
لماذا لا يرتدي لونًا يحبه؟
ولماذا لا يسافر؟
ولماذا لا يمارس الرياضة؟
ولماذا لا يبدأ مشروعًا؟
ولماذا لا يتعلم لغة جديدة؟
ولماذا لا يعود إلى الجامعة؟
ولماذا لا يضحك بصوت عالٍ مع أبنائه؟
ولماذا لا يبدأ حياة جديدة بعد التقاعد؟
العمر ليس حكمًا بالإقامة الجبرية.
وقد يكون الإنسان في الستين أكثر نشاطًا وإنتاجًا وبهجة من شخص في الثلاثين.
إذن القضية ليست ماذا تفعل؟ فقط.
بل كيف ولماذا وبأي قدر من الاتزان تفعله؟
لا نريد أن نقتل الشباب داخل الكبير باسم الوقار…
كما لا نريد أن نقتل الوقار داخله باسم الشباب.
*أجمل الأعمار… عمرك الذي أنت فيه*
ربما يكون سر المشكلة كلها أننا ننظر دائمًا إلى الوراء.
في العشرين نتمنى أن نكبر.
وفي الخمسين نتمنى لو عدنا إلى العشرين.
فنضيع العمرين.
الحكمة أن تقول:
هذا عمري الآن… وسأعيش جماله.
فلا تكن في الخمسين جسدًا يعيش الحاضر وقلبًا يحاول العودة ثلاثين عامًا إلى الوراء.
ولا تجعل صور شبابك القديمة تتحول إلى خصم تنافسه كل صباح أمام المرآة.
لقد أدى ذلك الشاب دوره.
هو الذي أوصلك إلى الرجل الذي أنت عليه اليوم.
اشكره…
ثم دعه في زمانه.
*لا تأخذ زمانك وزمان غيرك*
عش عمرك.
لكن عشه كاملًا.
لا تعتذر عن فرحك لأنك كبرت.
ولا تتوقف عن التعلم.
ولا تتوقف عن الحب.
ولا تتوقف عن الرياضة والسفر والعمل والطموح.
ولا تسمح لأحد أن يقنعك بأن الحياة انتهت لأن رقمًا تغير في بطاقة هويتك.
لكن في المقابل…
دع للمراهق مراهقته.
وللشاب شبابه.
ولأبنائك زمنهم.
ولأحفادك طفولتهم.
ولا تزاحمهم على مرحلة منحك الله إياها يومًا، ثم نقلك منها إلى مرحلة تحمل من الحكمة ما لم تكن تملكه آنذاك.
فليس النضج أن تقتل الطفل الجميل في داخلك…
بل أن تمنعه من قيادة حياتك.
وليس الوقار أن تصبح حزينًا وصامتًا…
بل أن تعرف متى تضحك، ومتى تصمت، ومتى تتكلم، ومتى تترك المكان للجيل الذي جاء بعدك.
واعلم أن أجمل ما يمكن أن يقوله الناس عن رجل تقدم به العمر ليس:
«ما زال يتصرف كأنه في العشرين!»
بل:
*«ما أجمل روحه… وما أعقل عقله.»*
فاحتفظ من شبابك بالحيوية، ومن تجاربك بالحكمة، ومن عمرك بالوقار.
*عش زمانك بكل جماله… لكن لا تأخذ زمانك وزمان غيرك.*















