بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
يقولون إن الكتابة موهبة، وأنا أقول إنها موهبة وورطة، وأحيانًا تهمة لا تعرف كيف تدافع عن نفسك أمامها!
نعم يا سادة، تهمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خصوصًا عندما تقرر أن تصبح كاتبًا في بيت لا يعترف كثيرًا بالأدب، لكنه يمتلك خبرة واسعة في الدراما العائلية، والمشاحنات اليومية، والضرب تحت الحزام… والحزام هنا مجازي، في معظم الأحيان، ولن أفتح ملفات الماضي أكثر من ذلك، فبعض القضايا تسقط بالتقادم، وبعضها الآخر ما زال محفوظًا في ذاكرة إخوتي، للأسف!
لكنني، منذ صغري، كنت أؤمن بأن الإنسان لا بد أن يترك أثرًا في هذه الحياة. ولم أكن أعلم يومها أن أثري الأول لن يكون على الورق، بل على مخدة!
وهنا تبدأ الحكاية.
كنت في مرحلة من العمر أظن فيها أن الخيال هو جواز السفر الوحيد الذي لا يحتاج إلى تأشيرة، وأن الكاتب يستطيع أن يسافر بعقله إلى أبعد الأماكن، حتى لو كان جالسًا في غرفة نومه، لا يملك من أدوات السفر سوى مخدتين ووقت فراغ طويل.
وفي تلك الأيام، قررت أن أبدأ رحلتي الأدبية.
لم أختر قضية اجتماعية شائكة، ولا موضوعًا سياسيًا معقدًا، ولا حتى حكاية عن بطل ينقذ العالم من كارثة محققة.
لا يا سادة!
لقد اخترت الحب.
وما أدراكم ما الحب حين يقع في يد كاتب مبتدئ لا يزال يكتشف أسرار الحياة، ويعتقد أن كل قصة عظيمة لا بد أن تبدأ بسؤال غامض، وتنتهي بدمعة، أو تنهيدة، أو اعتراف تحت ضوء القمر.
لكن المشكلة أنني لم أكن أملك بطلًا ولا بطلة، ولم تكن هناك فتاة تنتظر رسائلي، ولا عاشق يطرق باب حبيبته في منتصف الليل.
فاستعنت بما هو متاح.
المخدتان!
كانت الأولى هي البطل، والثانية هي البطلة، أما أنا فكنت المؤلف والمخرج والمنتج، والجمهور الوحيد الذي يصفق لنفسه عند نهاية المشهد.
وضعت المخدتين أمامي، وبدأت أكتب حوارًا عاطفيًا رأيت فيه، بعبقريتي المبكرة، فتحًا أدبيًا قد يغيّر مستقبل الرواية العربية!
ولأنني كنت أطمح إلى العالمية منذ تلك الأيام، حرصت على أن أكتب بسرية تامة، وكأنني أعدّ مخطوطًا خطيرًا سيقلب موازين الأدب في المنطقة.
لكنني نسيت قاعدة مهمة في الحياة: ليس كل باب مغلق يعني أنك في مأمن، فهناك دائمًا أخت كبرى تمتلك حاسة سادسة، تستطيع بها اكتشاف المصائب قبل وقوعها، خصوصًا إذا كان أخوها هادئًا أكثر من اللازم!
كانت أختي الكبرى تراقب المشهد من خلف الباب، ولم تكتفِ بالمراقبة، بل قررت أن تستدعي بقية أفراد الأسرة، وكأنها اكتشفت مخبأً سريًا أو ضبطت شبكة دولية لتجارة الممنوعات.
وما إن اجتمع الجمهور حتى بدأت أقرأ الحوار الذي أعددته بكل ثقة.
البطل، مخدة رقم واحد:
— أين كنتِ ليلة أمس يا وردة أحلامي؟!
البطلة، مخدة رقم اثنين:
— كنتُ عند رأس أختك، فقد كانت تبكي وتحتاج إلى حضني!
البطل:
— خائنة! تركتِ وجهي وحده يواجه البرد والتيارات الهوائية!
البطلة:
— اصمت، ولا تكن دراميًا! أنت محشو بريش الإوز الفاخر، فلا تتصرف وكأنك تعيش مأساة القرن!
كنت أقرأ الحوار بجدية كاتب يعتقد أنه يمسك بأسرار النفس البشرية، بينما كان إخوتي يحاولون كتم ضحكاتهم، إلى أن انفجروا جميعًا بالضحك.
أما أنا، فقد شعرت بأن الجمهور لم يفهم عمق العمل، وهي مشكلة يعاني منها كثير من المبدعين، كما كنت أظن آنذاك!
حاولت الدفاع عن نفسي، فقلت بكل اعتداد:
— هذا أدب رمزي! وفيه عمق فلسفي!
نظر إليّ أخي، الذي لم يكن يؤمن كثيرًا بالفلسفة، وقال:
— نعم، فيه عمق… لكن يبدو أنك أنت الذي غرقت فيه!
وهنا ضاعت هيبتي الأدبية، إن كان لي منها شيء أصلًا.
لم تكن المشكلة في الضحك وحده، بل في أن الخبر خرج من حدود الغرفة، وانتقل إلى أرجاء المنزل، ثم وجد طريقه إلى الجيران، ومن الجيران إلى الأصدقاء، حتى أصبحت حديث الحارة.
ومن يومها، التصق بي لقب لم أختره، ولم أطلبه، ولم أجد في أي قاموس أدبي ما يبرر منحه لي:
كاتب المخدات!
تخيلوا معي يا سادة!
كاتب يحلم بأن يكتب رواية تُقرأ في المكتبات، فإذا به يصبح مشهورًا بسبب مخدتين!
كنت أطمح إلى أن يقال عني يومًا: هذا الكاتب الذي أبدع في رسم الشخصيات وتحليل المشاعر، فإذا بالناس يكتفون بالسؤال عن أحوال المخدات، وكأنهما أصبحتا من الشخصيات العامة التي تنتظر تصريحًا صحفيًا مني!
ولعل أغرب ما في الحكاية أنني، بدلًا من أن أضحك مع الجميع، شعرت يومها بأن مستقبلي الأدبي قد انتهى قبل أن يبدأ.
أقسمت في لحظة غضب ألا أكتب مرة أخرى، وقررت أن أعتزل الأدب قبل أن أبلغ سن الاعتزال، وأن أترك الكتابة لمن يفهمونها، أو لمن يمتلكون غرفًا أكثر أمانًا!
لكن الإنسان قد يهرب من حلمه يومًا، ولا يستطيع أن يهرب منه إلى الأبد.
ففي داخلي كان هناك صوت صغير يقول لي: لا تتعجل الحكم على نفسك، فكل كاتب بدأ من مكان ما، وليس مطلوبًا منك أن تكتب تحفة أدبية في محاولتك الأولى.
ثم إنني كنت أواسي نفسي بفكرة أخرى، لا أعرف مدى صحتها التاريخية، لكنها كانت مريحة جدًا لكرامتي المجروحة: لعل كبار الأدباء مرّوا بتجارب محرجة في بداياتهم، لكن الحظ خدمهم فلم تكن لهم أخت كبرى تتولى توزيع أخبارهم على الجيران!
وهكذا، بقيت المخدتان شاهدتين على أول محاولة أدبية في حياتي؛ محاولة لم تمنحني جائزة، ولم تفتح لي أبواب دار نشر، لكنها منحتني درسًا لم أنسه.
تعلمت أن الموهبة تحتاج إلى الشجاعة، وأن السخرية قد تكون جزءًا من رحلة النجاح، وأن الفشل الأول لا يعني نهاية الطريق.
وتعلمت أيضًا أن الكاتب يحتاج إلى الخيال، والصبر، والقراءة، والمثابرة، وربما يحتاج أحيانًا إلى التأكد من أن أحدًا لا يقف خلف الباب!
أما اليوم، وأنا أستعيد تلك الحكاية بعد أن كبرت، وتبدلت الأيام، وأصبح الولد الشقي رجلًا مشاغبًا، فإنني أضحك على نفسي قبل أن أضحك على الآخرين.
فقد اكتشفت أن تلك المخدات لم تكن مجرد مخدتين، بل كانتا أول مسرح في حياتي، وأول شخصيتين ابتكرتهما، وأول جمهور أكتشف بسببه أن الطريق إلى قلوب القراء ليس مفروشًا بالورود دائمًا.
وأعترف لكم، بكل تواضع يليق برجل مشاغب، أنني لم أعد أكتب حوارات عاطفية بين المخدات، على الأقل ليس حتى الآن!
لكنني لا أستبعد شيئًا؛ فالكاتب الذي يبدأ مشواره بمخدة قد ينتهي به الأمر إلى تأليف كتاب كامل عن الوسائد، وحينها لن أسمح لأحد بالسخرية مني، بل سأطالب بحقوق الملكية الفكرية!
فقد تعلمت من الحياة أن بعض البدايات تبدو مضحكة، لكنها تحمل في داخلها بذرة حلم كبير.
وهكذا كانت حكايتي الأولى مع الكتابة؛ بدأت بمخدتين، وانتهت بدرس في الحياة، وبين البداية والنهاية حكاية تستحق أن تُروى.
فليس من السهل أن تكون كاتبًا، لكن الأصعب أن تكون كاتبًا، ولديك أخت كبرى تؤمن بأن أعمالك الأدبية ملكية عامة!
دمتم بخير، مع تحيات الولد الشقي سابقًا، الحكواتي حاليًا















