بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
كم من كلمة خرجت في لحظة غضب، فاحتاج صاحبها سنوات ليصلح أثرها! وكم من قرار اتُّخذ على عجل، ثم أمضى صاحبه ليالي طويلة يتمنى لو أنه تريث قليلًا! وكم من إنسان ظلم غيره لأنه صدّق ما سمع، ولم يمنح الحقيقة فرصة لتظهر!
إننا نعيش في عالم تتسابق فيه الأقدام إلى الوصول، والألسنة إلى الكلام، والأصابع إلى إرسال الرسائل، حتى أصبح التمهل عند بعض الناس علامة تردد، وأصبحت السرعة دليلًا على الحسم، ولو كانت عواقبها الندم.
لكن وسط هذا الضجيج، تأتينا من القرآن الكريم كلمات قالها نبي الله إبراهيم عليه السلام، تحمل معنى عظيمًا يستحق أن نتأمله:
﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260].
لم يكن إبراهيم عليه السلام يشك في قدرة الله، فقد أجاب بقوله: ﴿بَلَىٰ﴾، ولكنه أراد أن يزداد يقينًا بالمشاهدة بعد الإيمان بالخبر.
وهنا نتعلم أن طلب التوضيح ليس ضعفًا، وأن السؤال لا يعني بالضرورة الشك، وأن الإنسان قد يعلم الحقيقة، لكنه يحتاج إلى مزيد من البيان حتى يسكن قلبه.
فما أجمل أن نطلب اليقين قبل أن نستعجل الحكم، وأن نبحث عن الحقيقة قبل أن نمضي وراء الظنون!
الطمأنينة لا تُنال بالتمني وحده
والأجمل في قصة إبراهيم عليه السلام أن الأمر لم يتوقف عند طلب الطمأنينة، بل جاء بعده توجيه إلهي إلى عمل يقوم به.
قال تعالى:
﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: 260].
لقد انتقل المشهد من السؤال إلى الفعل، ثم إلى مشاهدة آية من آيات قدرة الله.
وإذا كان المقصود المباشر من هذه القصة إظهار قدرة الله على إحياء الموتى، فإننا نستطيع أن نتأمل فيها معنى تربويًا جميلًا: أن طلب الطمأنينة قد يصاحبه عمل وبذل للأسباب، لا مجرد انتظار النتائج.
فكم من إنسان يريد أن يطمئن إلى مستقبله، لكنه لا يخطط له! وكم من أب يتمنى صلاح أبنائه، لكنه لا يمنحهم وقتًا للتربية والتوجيه! وكم من موظف يريد أن يطمئن إلى سلامة عمله، لكنه لا يراجعه ولا يتقنه!
إننا أحيانًا نطلب راحة القلب، بينما نهمل الأسباب التي تعيننا عليها.
فمن أراد أن يطمئن إلى عمله، فليتقنه. ومن أراد أن يطمئن إلى قراره، فليدرسه. ومن أراد راحة ضميره، فليرد الحقوق ويصلح ما استطاع من أخطائه.
فالطمأنينة ليست دائمًا أن تجلس منتظرًا زوال القلق، بل قد تكون أن تنهض لتؤدي ما عليك، ثم تترك لله ما لا تملك.
بين اطمئنان العقل وسكينة القلب
قد يسأل سائل: لماذا قال إبراهيم عليه السلام «ليطمئن قلبي»، ولم يقل «ليطمئن عقلي»؟
إن القلب في القرآن الكريم ليس موضع المشاعر وحدها، بل يرتبط أيضًا بالفهم والإدراك والإيمان؛ قال تعالى:
﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46].
وللتقريب إلى حياتنا، نقول إن الإنسان يحتاج إلى وضوح الفكرة وسلامة الدليل، كما يحتاج إلى السكينة والثقة.
فقد يفهم المرء أسباب قرار معين، ومع ذلك يشعر بالخوف من نتائجه. وقد يرتاح إلى أمر يتمناه، لكنه لا يكون الخيار الصحيح.
ولهذا لا ينبغي أن نجعل مجرد الشعور بالراحة دليلًا على صواب كل قرار، ولا أن نفصل بين التفكير والإيمان.
فالعقل يعيننا على فحص الأسباب، والقلب يطلب السكينة، وكلاهما يحتاج إلى هداية الله وحسن التقدير.
تريّث… فبعض الأخطاء لا يصلحها الاعتذار وحده
كم من أسرة تفككت بسبب كلمة قيلت في غضب! وكم من صداقة انتهت بسبب خبر لم يُتحقق منه! وكم من إنسان خسر ماله لأنه استعجل توقيع عقد لم يقرأ شروطه!
قال الله تعالى:
﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11].
والعجلة ليست دائمًا في سرعة الحركة، بل قد تكون في إصدار الأحكام، أو تصديق الشائعات، أو اتخاذ القرارات قبل معرفة عواقبها.
تخيل أبًا عاقب ابنه اعتمادًا على رواية سمعها، ثم اكتشف أنه بريء. أو مسؤولًا ظلم موظفًا لأنه لم يستمع إلى دفاعه. أو شخصًا نشر اتهامًا، ثم اعتذر بعدما انتشر الخبر وأصاب سمعة إنسان بريء.
فهل يكفي الندم لإزالة كل ما حدث؟
لهذا جاء التوجيه القرآني واضحًا: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
وليس المقصود أن نتردد في كل خطوة، أو نعيد فحص الأمور بلا نهاية، وإنما أن نمنح القرارات المهمة ما تستحقه من تفكير ومراجعة ومشورة.
فالتروي قبل القرار حكمة، أما الندم بعد فوات الأوان فقد لا يعيد ما ضاع.
وراحة القلب تحتاج إلى إصلاح النفس
لكن الطمأنينة ليست مرتبطة بقرارات الحياة وحدها؛ فهناك سكينة أعمق يجدها الإنسان في علاقته بربه، وفي صفاء ضميره وحسن معاملته للناس.
قال الله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
ومن أراد أن يسعى إلى هذه السكينة، فليجعل لنفسه نصيبًا من الصلاة، وقراءة القرآن وتدبره، وذكر الله، وصلة الأرحام، والإحسان إلى المحتاجين، وإصلاح ذات البين.
فقد يحمل الإنسان في قلبه خصومة قديمة، ويظل ينتظر راحة لا تأتي، بينما يستطيع أن يبدأ بخطوة نحو الصلح.
وقد يؤرقه حق أخذه من غيره، فلا يجد راحة ضميره حتى يعيده إلى صاحبه.
وقد يشعر بضيق بسبب تقصيره، فيكون طريق الإصلاح أن يبدأ من جديد، لا أن يستسلم لليأس.
فبعض القلوب لا تحتاج إلى مزيد من الحديث عن الطمأنينة، بقدر ما تحتاج إلى شجاعة القيام بعمل صالح تأخر صاحبه في أدائه.
ومع ذلك، فقد يجتهد الإنسان في الطاعة والعمل والإصلاح، ويبقى لديه شيء من القلق أو الخوف؛ فليس كل اضطراب في النفس دليلًا على ضعف الإيمان أو التقصير.
إنما نسعى إلى السكينة، ونرحم أنفسنا في الطريق إليها.
حين تبذل الأسباب… دع قلبك يستريح
ليس في الحياة قرار مضمون النتائج، ولا طريق يخلو من العقبات، ولا إنسان يستطيع أن يعرف ما يخبئه الغد.
قد تدرس مشروعًا بعناية ثم لا ينجح، وقد تجتهد في تربية أبنائك ثم تواجه معهم صعوبات، وقد تتخذ قرارًا صحيحًا بما توفر لديك من معلومات، ثم تأتي الظروف بما لم تتوقعه.
وهنا تظهر قيمة التوكل.
قال تعالى:
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].
تأمل كيف جاء التوكل بعد العزم، لا بدلًا منه.
فابذل جهدك، واستشر أهل الخبرة، وراجع ما يحتاج إلى مراجعة، واستخِر الله فيما يهمك، ثم امضِ دون أن تجعل الخوف من المستقبل يسلبك طمأنينة الحاضر.
فليس المطلوب أن تضمن كل النتائج، وإنما أن تؤدي ما عليك بصدق وأمانة، وتتعامل مع ما يأتيك بالصبر والحكمة.
وفي الختام…
ما أحوجنا إلى أن نجعل قول إبراهيم عليه السلام ﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ دعوة إلى التأمل في حياتنا؛ لا بأن نطلب المعجزات، وإنما بأن نتعلم التثبت قبل الحكم، والاجتهاد قبل انتظار الثمرة، والإصلاح قبل طلب راحة الضمير.
فلا تستعجل قرارًا قد تندم عليه عمرًا، ولا تؤجل خيرًا تستطيع فعله اليوم، ولا تُرهق نفسك بطلب يقين كامل في أمور لا يعلم غيبها إلا الله.
تثبّت بعقلك، وأصلح ما في نفسك، واجتهد فيما تعمل، واستعن بالله فيما يعجز عنه جهدك.
فالطمأنينة ليست أن تخلو الحياة من المتاعب، بل أن تبذل ما تستطيع، وتثق بالله فيما لا تستطيع، وتمضي في طريقك بقلب يرجو السكينة.
وما أجمل أن ينام الإنسان وقد أدى ما عليه، ولم يظلم أحدًا، ولم يقصّر متعمدًا في حق، ثم يرفع قلبه إلى السماء قائلًا: ربِّ، لقد بذلت جهدي… فاجعل قلبي مطمئنًا.














