لِمَن يكونُ الرثاء؟

بقلم: د. رياض الدليمي

أُشهِدُ بالنهرِ… لا بالحقدِ أكتبُها
فالماءُ أصدقُ ممّا ينطقُ البشرُ

والترابُ يحفظُ أسماءً توارَتْ بهِ
لا الريحُ تمحوها… ولا يطويها الدهرُ

لِمَنِ الرثاءُ… إذا جاءتْ مواكبُنا
تتلو المراثيَ، والمدائنُ تُحتَضَرُ؟

هلْ للذي رُفِعَتْ في المجدِ رايتُهُ
أمْ للذي في زوايا الصمتِ يَنكسِرُ؟

بغدادُ تسألُ… والفراتُ مُكدَّرٌ
والنخلُ يشهدُ ما أخفاهُ من أَثَرِ

والشامُ تبكي على أطلالِ نازحةٍ
واليمنُ جرحٌ على الأيامِ يَستعرُ

وبيروتُ فوقَ جراحِ الأمسِ واقفةٌ
كأنَّ في صخرِها تاريخَها يَسطرُ

يا سائلي… ما جئتُ أفتحُ في دمي
بابَ الخصامِ، ولا في الشعرِ أعتذرُ

لكنني أُصغي لأنّاتِ الثكالى إذْ
صاحَ اليتيمُ: أما للعدلِ مُنتظرُ؟

فالشعرُ ليسَ صدى السيفِ الذي بطشوا
بل صوتُ مَن تحتَ رُكامِ القهرِ قد صبروا

فاكتبْ على قبرِ الضحايا: “هاهنا
نامَ الذينَ بلا وسامٍ يُذكَرُ”

واكتبْ بأنَّ المجدَ ليسَ عمامةً
تُتلى على جثثِ الأنامِ وتُنشَرُ

المجدُ للأمِّ التي ذبلتْ على
قبرِ الصغيرِ، ودمعُ العينِ يَنتصرُ

لا للذي أشعلَ غزةَ ثمَّ ادّعى ظَفَرًا
وزيَّنَ الدمَ حتى ضاعَ ما سَطَروا

يا أيُّها الشعراءُ… إنَّ قصائداً
لا تُنصِفُ المظلومَ، سوفَ تُنكَرُ

لا تجعلوا الأوزانَ جسراً للأسى
يُبنى على جُثَثِ الصغارِ ويُعبَرُ

إنَّ المدادَ إذا تلوَّثَ بالدِّما
صارَتْ حروفُ الشعرِ سُمّاً يُنثَرُ

فارثوا لمنْ سقطوا على أعتابِنا
لا للذي فوقَ المنابرِ يَزأرُ

فالرثاءُ حقٌّ للضحايا وحدَهُم
فاخشَوا ضميرَ الحرفِ إنْ هو زُوِّرُ

سيحفظُ النهرُ ما أخفَتهُؤ أزمنةٌ
ويكتُبُ الترابُ للتاريخِ ما سَتَروا

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24