قِصَّةٌ قَصِيرَة… كُرَاتُ الطِّينِ وَالنَّارِ

بقلم:  د.عبد الرحيم الشويلي
في قَرْيَةٍ لا تَظْهَرُ على أَيِّ خَريطَة، لأنَّ الخرائطَ نفسها كانت تَخْشى أن تُتَّهَمَ بِالعَبَث، اعتادَ الناسُ أن يَجْتَمِعوا كلَّ صباحٍ لِمُمارَسَةِ أشياءَ لا يَعْرِفونَ لِماذا يَفْعَلونَها.
كانوا يَمْشونَ إلى الخَلْف، ويَقيسونَ أطوالَ ظِلالِهم، ويَتَشاجَرونَ حولَ الطَّريقةِ الصَّحيحةِ لِتَقْطيعِ رَغيفٍ مُسْتَدير.
وَحْدَهُ نادر كان يَسأل:
— لِماذا؟
وكان هذا السؤالُ، في تلكَ القرية، أخطرَ من أيِّ سلاح.
أمّا صديقُه مِرْداد، فلم يكن يَسأل عن شيء. كان يَرى أنَّ السؤالَ يُفْسِدُ مُتْعَةَ العَبَث، وأنَّ الضَّحكَ أفضلُ طريقةٍ لِلنَّجاةِ مِنْه.
وكان هناكَ عُرْوَة، رئيسُ لجنةِ المسابقات؛ رجلٌ يحملُ دَفْتَرًا أسودَ، يَسجّلُ فيه المخالفات، ويَمْنَحُ النِّقاطَ لِمَن يُحْسِنُ تَنْفيذَ القواعدِ التي لا يَتَذَكَّرُ أحدٌ مَن وَضَعَها.
في ذلكَ الصباح، أعلنَ عروة عن مسابقةٍ جديدة:
«أجملُ طريقةٍ لِتَقْطيعِ الخُبْز.»
اصْطَفَّ أهلُ القرية.
قَطَعَ أحدُهم الرَّغيفَ على هيئةِ قلب، وآخرُ على هيئةِ حصان، وثالثٌ شَقَّهُ إلى سبعِ قِطَعٍ مُتَساوية، فَتَعالتِ التَّصفيقات.
أمّا مِرْداد، فأخذَ سِكّينَهُ وقَطَعَ الرَّغيفَ إلى نِصْفَيْنِ فقط.
سألَهُ عروة، غاضبًا:
— أينَ الإبداع؟
قالَ مِرْداد:
— كُنتُ جائعًا.
سادَ الصمت.
ثمَّ انفجرَ الجميعُ بالضَّحك.
حتى عروة ابتسم.
لكنَّهُ كتبَ شيئًا في دَفْتَرِه.
بعدَ ذلكَ بدأتِ المسابقةُ الثانية:
القَفْزُ فوقَ كُرَاتِ الطِّين.
كانت آلةٌ ضخمةٌ تَقْذفُ الكُراتِ في الهواء، وعلى المتسابقينَ أن يَقْفزوا فوقَها دونَ أن تَلْمَسَ أحذِيَتُهم الطِّين.
قَفَزَ مِرْداد كالمُهرِّج، وسَقَطَ في الوَحْل، ثمَّ نهضَ يُصَفِّقُ لِنَفْسِه.
أمّا نادر، فظلَّ واقفًا مكانَه.
قالَ له عروة:
— لماذا لا تَقْفِز؟
قال:
— لأنني لا أفهمُ لماذا نَقْفِز أصلًا.
فَتَحَ عروة دَفْتَرَه.
— مُخالفة.
— وما المُخالفة؟
رفعَ عروة عَيْنَيْه وقال:
— التَّفكيرُ أثناءَ المسابقة.
وقبلَ أن يَستمرَّ الجدال، دوَّت صَفّارةٌ طويلة.
تَوَقَّفَت آلةُ الطِّين.
ثمَّ تغيَّرَ صوتُها.
لم تَعُدْ تَقْذِفُ كُرَاتٍ من الطِّين.
خرجت منها كُرَةٌ سوداء صغيرة، يَتَصاعَدُ منها الدُّخان.
حَدَّقَ الجميعُ فيها.
قال نادر:
— هذه ليستْ كُرَةَ طين.
أجابَ عروة بهدوء:
— أعرِف.
— إذن لماذا لم تُوقِفْها؟
ابتسمَ عروة، وأغلقَ دَفْتَرَه.
— لأنَّ المسابقةَ الجديدةَ بدأت.
رفعَ أحدُهم يَدَهُ وسأل:
— وما اسمُها؟
نظرَ عروة إلى الكُرَةِ السوداءِ وهي تَتَدَحرجُ وسطَ الساحة.
ثمَّ قال:
— أجملُ طريقةٍ لِتَجَنُّبِ النَّار.
ضحكَ بعضُهم.
وتراجعَ آخرون.
أمّا مِرْداد، فصَفَّقَ بحماس.
ثمَّ بدأتِ الكُرَاتُ تَسقُط.
واحدة.
ثمَّ اثنتان.
ثمَّ عشرًا.
ثمَّ لم يَعُدْ أحدٌ يَعْرِفُ العدد.
تحوَّلَتِ الساحةُ إلى دُخانٍ وصُراخٍ ورَكْض.
وكان عروة يَراقبُ من بعيد، ودَفْتَرُهُ في يَدِه، ويَضَعُ علاماتٍ صغيرةً أمامَ أسماءِ المُتَسابقين.
اقتربَ منه نادر، مذعورًا:
— ماذا تَفْعَل؟
قالَ عروة:
— أُحْصي النَّاجين.
نظرَ نادر إلى الدُّخان.
ثمَّ إلى الدَّفْتَر.
— والذينَ لم يَنْجُوا؟
توقَّفَ عروة قليلًا.
ثمَّ قال:
— هؤلاء لا يَدْخُلونَ في النَّتيجة.
سَقَطَتْ كُرَةٌ مُشْتَعِلَةٌ قربَهما.
تراجعَ نادر.
أمّا مِرْداد، فظلَّ يَرْكُضُ في الساحة، يَضْحَكُ ويَصْرُخ:
— اجعلوها أسرع!
وفجأةً…
انطفأتْ كلُّ الأصوات.
لا صُراخ.
لا ضَحِك.
لا صَفّارات.
فقط دُخانٌ كثيفٌ يَغْطِي القرية.
وبعدَ دقائق، خرجَ نادر من بينِ الرُّكام، يبحثُ عن أحد.
وجدَ عروة جالسًا على كرسيِّه، والغُبارُ يَغْطي وجهَه، والدَّفْتَرُ الأسودُ ما زالَ في يَدِه.
سألَهُ نادر:
— انتهتِ المُسابقة؟
فتحَ عروة دَفْتَرَه، وقَلَّبَ صفحاتِه، ثمَّ قال:
— نعم.
— ومَنِ الفائز؟
رفعَ عروة عَيْنَيْه نحوَ القريةِ المُحْتَرِقة، وقال:
— الذي استطاعَ أن يُقْنِعَ الآخرينَ بأنَّها كانتْ مُجَرَّدَ مُسابقة.
ثمَّ أضافَ في آخِرِ الصَّفحة:
«مُسابقةُ الغَد: كُرَاتٌ أَكْبَر.»
رفعَ نادر رأسَه.
كان عروة قد اختفى.
وفي الساحة، لم يَبْقَ سوى كُرَةٍ سوداءِ صغيرة، تَتَدَحْرَجُ ببطءٍ نحوَ آخِرِ بيتٍ لم يَحْتَرِقْ بعد.
لكنَّها لم تَصِلْ إليه.
تَوَقَّفَتْ أمامَ الباب.
فُتِحَ البابُ من الداخل.
خرجَ طفلٌ صغير، وانحنى، والتقطَها بكلتا يَدَيْه.
ثمَّ سألَ بصوتٍ بريء:
— أبي… متى تبدأُ مُسابقةُ الغَد؟

18.اكتوبر.تشرين أول.2026م

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24