د. غادة ناجي طنطاوي
لديّ ما يكفي من الذكريات كي أشرب قهوتي بمفردي…فلم تعد الوحدة تخيفني كما كانت، ولم يعد الصمت مكانًا فارغًا أخشى البقاء فيه.
أنا حين أجلس وحدي، لا أكون وحدي تمامًا؛ هناك وجوه كثيرة تجلس معي.. أصواتٌ رحلت لكنها ما زالت تعرف الطريق إلى ذاكرتي.. ضحكات قديمة تظهر فجأة بين رشفةٍ وأخرى وأشخاص ظننت أنني ودّعتهم، فاكتشفت أن الوداع الحقيقي أصعب بكثير من مجرد الرحيل.
لديّ من الذكريات ما يجعل فنجان القهوة مزدحمًا،
رغم أن الكرسي المقابل لي فارغ. أحيانًا أجلس أمامه وأتخيل أن أحدهم سيأتي، كما كان يفعل في الماضي، يجلس دون مقدمات ويقول شيئًا عاديًا جدًا، لكن ذلك الشيء العادي كان قادرًا على أن يجعل يومي كله مختلفًا.
كم هو غريب هذا القلب، يستطيع أن يحتفظ بتفاصيل لا قيمة لها في نظر الآخرين، مكان جلوس، موعد مكالمة، أغنية عابرة، كلمةٌ قيلت على عجل أو حتى طريقة شخصٍ ما في نطق اسمك.
نحن لا نتذكر الأشخاص فقط، بل نتذكر أنفسنا حين كنا معهم.. نتذكر تلك النسخة منا التي كانت تضحك أكثر، تخاف أقل وتنتظر رسالةً واحدة وكأن العالم كله متوقف عليها. نتذكر كيف كانت قلوبنا بسيطة، وكيف كنا نصدق أن بعض الأشياء ستبقى إلى الأبد.
لكن لا شيء يبقى كما كان..الأشخاص يتغيرون.. الطرق تتبدل.. المسافات تكبر ونحن أيضًا نتعلم، بعد وقت طويل، أن نكمل الطريق دون أن نسأل كثيرًا: لماذا رحلوا؟
لديّ ما يكفي من الذكريات لأفهم أن بعض الغياب لا يحتاج إلى تفسير، وأن بعض النهايات تأتي رغم أننا لم نكن مستعدين لها. ولهذا صرت أشرب قهوتي بمفردي…لا لأنني لم أعد أحب الرفقة، ولا لأن قلبي أصبح باردًا، بل لأنني تعلمت أن أكون صديقة نفسي، وأن أجلس معها دون أن أشعر بالفراغ.
تعلمت أن الوحدة ليست دائمًا عقابًا،أحيانًا تكون فرصة لنستمع إلى كل الأصوات التي أخفيناها داخلنا طويلًا.
وفي بعض الليالي، حين يهدأ كل شيء، أشتاق بطريقة لا أقولها لأحد، ولا أكتبها دائمًا، أشتاق إلى أشخاصٍ كانوا جزءًا من أيامي، ثم أصبحوا جزءًا من ذكرياتي. لكنني لا أمد يدي إليهم…ليس لأنني نسيت، بل لأنني أخيرًا فهمت أن بعض الأشياء الجميلة يجب أن تبقى جميلة في مكانها.
لذلك أتركهم هناك…في الماضي،
حيث كانت ضحكاتنا كاملة، وحيث لم تفسد المسافات شيئًا، وحيث ما زلنا نلتقي دون وداع.
وأعود إلى فنجان قهوتي…أبتسم أحيانًا، وأحزن أحيانًا أخرى، ثم أشرب الرشفة الأخيرة وأقول لنفسي؛ لا بأس…لديّ ما يكفي من الذكريات لأجلس وحدي دون أن أشعر أنني وحيدة وما يكفي من الحنين لأعرف أنني أحببت بصدق، وما يكفي من القوة لأترك كل ما رحل يرحل بسلام. فبعض الأشخاص لا يعودون، لكنهم يتركون وراءهم حكاية طويلة.
وحين لا نجد من نروي له الحكاية، نصبُّ لأنفسنا فنجانًا آخر من القهوة، ونجلس بهدوء…
نحتسي الذكريات بدلًا من السكر، ونتعلم، ببطء شديد، كيف نعيش بعد كل الذين ظننا أن الحياة لن تستمر بدونهم.
@ghadahtantawj















