في اليوم الإنساني العالمي: غزة تختبر الإنسانية

بقلم المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش
محامٍ وباحث في القانون وحقوق الإنسان
غزة – فلسطين الخميس 20 أغسطس/آب 2026م

في التاسع عشر من أغسطس، يحتفي العالم بالعمل الإنساني، ويتوقف أمام قصص أولئك الذين اختاروا الوقوف إلى جانب الإنسان في أكثر لحظات حياته قسوة. أطباء ومسعفون ومتطوعون وعاملون في الإغاثة يدخلون مناطق الحروب والكوارث، ويحاولون أن يصنعوا مساحة صغيرة للحياة وسط عالم يزداد قسوة. غير أن هذا اليوم، بالنسبة إلى غزة، لا يبدو مناسبة للاحتفال بقدر ما يبدو لحظة للتأمل في المعنى الحقيقي للإنسانية، وفي المسافة التي يمكن أن تفصل أحياناً بين الشعار والممارسة، وبين الأموال التي تُجمع باسم الإنسان وما يصل فعلاً إلى يديه.
في غزة، لم تعد المساعدة الإنسانية رفاهية أو عملاً موسمياً. أصبحت بالنسبة إلى ملايين الأشخاص مسألة مرتبطة بالبقاء نفسه. عندما يفقد الإنسان منزله ومصدر دخله، ويصبح الغذاء والدواء والماء والمأوى احتياجات يومية، تتحول كل مساعدة إلى حق ينتظر الوصول، وتتحول كل مؤسسة تحمل اسم الإنسانية إلى مسؤولية أخلاقية تتجاوز تنفيذ مشروع أو إعداد تقرير.
فالعمل الإنساني في جوهره ليس كمية من المواد الغذائية، ولا قيمة مالية في حساب مصرفي، ولا عدد المستفيدين في تقرير ختامي. إنه علاقة أخلاقية بين إنسان يملك القدرة على المساعدة وإنسان أنهكته الكارثة. وفي هذه العلاقة تصبح الموارد أمانة، ويصبح احترام كرامة المستفيد شرطاً لا تفصيلاً، وتصبح الشفافية جزءاً من الإنسانية نفسها.
المتبرع الذي يقتطع من دخله لإطعام طفل جائع لا يمنح ماله لمؤسسة لمجرد أنها رفعت شعاراً إنسانياً؛ إنه يضع ثقته في أن يصل هذا المال إلى طفل يحتاجه. ومن يدفع لعلاج مريض لا يريد أن يتحول تبرعه إلى رقم في ميزانية، بل إلى دواء يخفف ألماً أو علاج ينقذ حياة. ومن يكفل يتيماً لا يشتري خدمة، وإنما يضع أمانة في يد جهة يفترض أنها ستدافع عن حق طفل لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
ومن هنا تصبح الشفافية أكثر من إجراء إداري، وتصبح المساءلة أكثر من بند في لائحة داخلية. فالمال الذي جُمع باسم الفقير ليس مالاً سائبا، والمال الذي جُمع باسم اليتيم ليس ملكاً لمن يديره، والثقة التي يمنحها الناس للمؤسسات الإنسانية ليست تفويضاً مفتوحاً بلا رقابة.
لا يعني ذلك أن المؤسسات الإنسانية فاسدة، ولا أن العاملين فيها يعملون لمصالحهم الخاصة. على العكس، هناك آلاف العاملين الإنسانيين الذين يواصلون أداء واجبهم في ظروف بالغة القسوة، وهناك أطباء ومسعفون ومتطوعون يواجهون الخطر كل يوم من أجل إنقاذ الآخرين. لكن الدفاع عن هؤلاء لا يكون بمنح القطاع حصانة من النقد، وإنما بحمايته من أي خلل يمكن أن يسيء إلى رسالته، وبإعلاء شأن المؤسسات النزيهة من خلال قواعد أكثر صرامة للشفافية والمساءلة.
فالعمل الإنساني يفقد جزءاً من معناه عندما تصبح المؤسسة أكبر من الإنسان الذي أُنشئت لخدمته، وعندما يصبح المستفيد رقماً في قاعدة بيانات، أو تتحول صورة الطفل الجائع إلى أداة لجذب التبرعات ثم يختفي أثر تلك التبرعات عن حياته. وقد لا يكون كل خلل فساداً بالمعنى القانوني، لكن سوء الإدارة وضعف الرقابة والمحسوبية وتضارب المصالح وعدم وضوح مسار الأموال يمكن أن تنتهي جميعها إلى نتيجة واحدة: إنسان محتاج لا يحصل على حق كان يفترض أن يصل إليه.
وتبدو قضية الأيتام من أكثر الصور حساسية في هذا السياق. فالطفل الذي فقد والديه أو أحدهما لا ينبغي أن يتحول إلى عنوان لحملة تبرعات، ولا إلى صورة تستدر التعاطف ثم تنتهي القصة بانتهاء الحملة. المال الذي يُجمع باسم اليتيم يحمل مسؤولية مضاعفة، لأن صاحبه الحقيقي هو الطرف الأضعف والأقل قدرة على السؤال والمطالبة. وإذا استُغلت حاجته أو حُرم من حقه، فإن الخلل لا يصبح مجرد مسألة مالية، بل يتحول إلى انتهاك أخلاقي عميق للثقة التي قامت عليها المساعدة.
ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى المريض والفقير والنازح وطالب المنحة والأسرة التي فقدت منزلها. كل مال جُمع باسم إنسان يجب أن يعود بالنفع عليه، وكل مشروع أُنشئ لمعالجة معاناته يجب أن يكون قابلاً للقياس والمراجعة، وكل جهة تلقت تمويلاً باسمه يجب أن تكون قادرة على تفسير كيفية استخدامه.
وتكشف غزة حجم التحدي بصورة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فقد دفعت الحرب قطاعات واسعة من السكان إلى الاعتماد على المساعدات، بينما تراجعت القدرة على الوصول المباشر إلى كثير من المناطق، وتعقدت عمليات التوزيع والإمداد، وأصبحت المنظمات تعمل في بيئة أمنية ولوجستية شديدة الصعوبة. وفي مثل هذه الظروف لا يكون المواطن قادراً في الغالب على معرفة حجم الأموال التي جُمعت من أجله، أو تفاصيل العقود والمشتريات، أو النفقات الإدارية، أو الجهة التي يمكنه اللجوء إليها إذا لم تصله المساعدة أو شعر أن حقه لم يُعامل بعدالة.
وتشير أعمال رقابية دولية حديثة إلى أن مخاطر الاحتيال وسوء إدارة المساعدات في الضفة الغربية وغزة ليست مجرد هواجس نظرية، وأن بيئة العمل في غزة تفرض تحديات كبيرة أمام التحقق والرقابة المباشرة. وهذه الوقائع لا تسمح باتهام المؤسسات الإنسانية بصورة جماعية، لكنها تجعل الحاجة إلى الرقابة أكثر إلحاحاً. فكلما كانت البيئة أكثر خطورة، وجب أن تكون أنظمة التدقيق والتوثيق وإدارة المخاطر أكثر قوة.
وهنا تكمن المفارقة الإنسانية الكبرى. المواطن الذي فقد منزله بسبب الحرب قد يجد نفسه مضطراً إلى انتظار المساعدة التي جُمعت من أجله، من دون أن يملك الوسائل الكافية لمعرفة أين توقفت في الطريق. والأسرة التي فقدت مصدر دخلها قد لا تملك القدرة على الاعتراض إذا لم يصلها الدعم. والطفل الذي فقد والديه لا يستطيع أن يسأل مؤسسة كبيرة عن المال الذي جُمع باسمه. ولذلك فإن ضعف المستفيد لا ينبغي أن يكون سبباً في تقليل الرقابة عليه، بل سبباً في مضاعفتها.
المساءلة في العمل الإنساني لا تعني تعطيل الإغاثة، ولا التشكيك في العاملين، ولا تحميل المؤسسات مسؤولية ظروف الحرب التي لا تملك السيطرة عليها. فالطرق المدمرة، وانعدام الأمن، وصعوبة النقل، وارتفاع التكاليف، وانقطاع الاتصالات، كلها عوامل حقيقية يجب أخذها في الاعتبار. لكن هذه الظروف لا يمكن أن تتحول إلى مساحة غامضة تختفي فيها الأرقام أو تتعطل فيها آليات الشكاوى أو يصبح فيها المستفيد خارج دائرة القرار.
إن المؤسسة الإنسانية التي تحترم رسالتها لا تخشى أن يعرف الناس كيف تنفق أموالهم، ولا تخشى أن يسمع المسؤول شكوى المستفيد، ولا ترى التدقيق تهديداً لها. فالشفافية تحمي المؤسسة النزيهة، والمساءلة تحمي العامل النزيه، والرقابة تحمي التبرع من أن يفقد طريقه إلى صاحبه.
والأخطر من خسارة المال هو خسارة الثقة. فالفساد، حين يقع، لا يسرق الموارد وحدها؛ إنه يسرق ثقة المتبرع، ويزرع الشك في نفس المحتاج، ويضر بسمعة المؤسسات التي تعمل بنزاهة، ويجعل الناس أكثر تردداً في تقديم المساعدة. وفي النهاية يدفع الجميع الثمن، بينما يكون المتضرر الأكبر هو الإنسان الذي كان يفترض أن يكون أول المستفيدين.
لهذا ينبغي أن يكون اليوم العالمي للعمل الإنساني أكثر من مناسبة لتكريم العاملين الذين يضحون في الميدان. ينبغي أن يكون فرصة لإعادة الإنسان إلى مركز المنظومة الإنسانية، بحيث تصبح كرامته وحقه في المعرفة والمشاركة والشكوى والمساءلة جزءاً من تعريف العمل الإنساني نفسه.
غزة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى صورة مؤثرة في حملة عالمية ثم تختفي من الحسابات بعد انتهاء الحملة. ولا تحتاج إلى شعارات تتحدث باسم الإنسان بينما يبقى الإنسان نفسه بعيداً عن معرفة ما جُمع باسمه وما وصل إليه. إنها تحتاج إلى منظومة تجعل المواطن شريكاً في معرفة حقه، وقادراً على السؤال، ومطمئناً إلى أن التبرعات التي وصلت من أجله لم تتحول إلى غاية في ذاتها، وأن المؤسسة لم تصبح أهم من الإنسان.
لقد تحمل المواطن الغزي الحرب والنزوح والفقد والجوع والمرض وفقدان مصادر الدخل. وليس من العدل أن يتحمل فوق ذلك نتائج الفساد أو المحاباة أو سوء الإدارة في منظومة يفترض أنها جاءت لتخفيف معاناته. وفي الوقت ذاته، لا يجوز أن تتحول هذه الحقيقة إلى اتهام شامل لكل العاملين والمؤسسات، لأن مثل هذا التعميم يظلم النزيهين ويضعف الثقة بالعمل الإنساني الذي يحتاجه الناس أكثر من أي وقت مضى.
المعيار الحقيقي لنجاح العمل الإنساني ليس حجم الأموال التي جُمعت، ولا عدد الحملات التي أطلقت، ولا عدد التقارير التي أُنجزت. المعيار هو الأثر الذي وصل إلى الإنسان؛ الطفل الذي حصل على غذائه، والمريض الذي وجد دواءه، والنازح الذي وجد مأوى، واليتيم الذي وصلت إليه كفالته، والأسرة التي استعادت جزءاً من قدرتها على الحياة.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، تبدو غزة وكأنها تضع مرآة أمام العالم؛ مرآة لا تقيس حجم التعاطف بقدر ما تكشف مقدار ما يتحول من التعاطف إلى حق محفوظ وكرامة مصانة. إنها تذكر العالم بأن الإنسانية ليست صناعة للصور، ولا سوقاً للتبرعات، ولا سلماً للنفوذ، بل أمانة ثقيلة تبدأ من احترام الإنسان وتنتهي عند حفظ حقه.
وحين يصل مال الفقير إلى الفقير، وحق اليتيم إلى اليتيم، ودواء المريض إلى المريض، ومساعدة النازح إلى النازح، تصبح الإنسانية فعلاً لا شعاراً. أما عندما تضيع الأمانة قبل أن تصل إلى صاحبها، فإن المأساة لا تنتهي عند الحرب أو الكارثة، بل تولد مأساة أخرى تحت اسم العمل الإنساني.
غزة تختبر الإنسانية، لكن الاختبار الحقيقي ليس في مقدار ما نتعاطف معها، بل في مقدار ما نحمي حقها.
فالإنسانية الحقيقية لا تبدأ عندما نجمع المال باسم الإنسان؛ بل عندما نقرر أن هذا المال أمانة، وأن الإنسان هو صاحبه الأخير.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *