صمود العراق وقواته المسلحة وهزيمة المشروع التوسعي الإيراني.

د عامر الدليمي.

لم يكن يوم ٨/٨ /١٩٨٨م يوم الانتصار العظيم على النظام الإيراني مجرد تاريخٍ عابر في سجل الحروب، بل كان لحظةً مفصلية اختُزلت فيها ثمانية أعوام من الصراع العسكري والسياسي والاستراتيجي في كل نواحي الحياة ، ففي هذا اليوم أعيد رسم وتأشير موازين القوى في منطقة الخليج العربي .

و دلالة هذا اليوم، لا بد من النظر إلى الحرب ونتائجها الفعلية المتحققة باعتبارها أكثر من مجرد نزاع عسكري حدودي. فقد تداخلت فيها حسابات الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وأمن الخليج و المنطقة و تحولت الحدود العراقيةالإيرانية إلى مسرح لمواجهة عسكرية واسعة.

و كان التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الدولة العراقية وجيشها الباسل على الصمود والدفاع عن سيادتها أمام حرب ايرانية عدوانية طويلة، في وقت كانت فيه إيران تمتلك عمقاً بشرياً وجغرافياً كبيراً، وقدرة على حشد أعداد ضخمةمن المتطوعين المدنين بدوافع عنصرية متطرفة و من قواتها العسكريةالنظامية ، فضلاً عن استمرار تدفق الأسلحة والمعدات إليها من مصادر دولية متعددة معادية للعراق واولها العدو الصهيوني .

فقد حصلت إيران، خلال سنوات الحرب، على أسلحة ومعدات مختلفة، في شبكة معقدة من العلاقات التجارية والعسكرية السرية والمعلنة.

ومع امتداد الحرب، برزت أهمية العامل العسكري العراقي الحاسم وقدرته على التحول من الدفاع إلى الصمود الاستراتيجي. وخبرة قتالية واسعة، وطوّر تنظيمه وقدراته في الحرب البرية والجوية والمدفعية والصاروخية، وأصبح أكثر قدرة وإمكانية على إدارة عمليات عسكرية واسعة ومنسقة في ميدان الحرب وفق إستراتيجية وخطط عسكرية ناجحة.

وفي بداية عام ١٩٨٨م ظهرت ملامح التحول الكبير في ميزان الحرب تتغير بوضوح. فقد تمكن الجيش العراقي من تنفيذ عمليات عسكرية واسعة وطرد القوات الايرانية وتحرير شبه جزيرة الفاو العراقية في ١٧/ نيسان / ١٩٨٨م في معركة رمضان مبارك التي أذلت وهزمت العدوان الايراني، ومنع الجيش الايراني من التوغل داخل الحدود العراقية ، وتراجع قدراته و الاحتفاظ بقوته العسكريةوالاقتصادية التي كانت ايران تسعى من ورائها كهدف لتحقيق إنتصار عسكري على العراق
خلال سنوات الحرب. وهنا ظهرت الحقيقة الأهم أن الحروب الطويلة لا تُحسم دائماً بمن يهاجم أولاً، كما فعله النظام الايراني ضد العراق عام ١٩٨٠م كعملية عسكرية تكتيكية عدوانية مباشرة ، وإنما بمن يستطيع تحمل الاستنزاف العسكري والصمود الغعلي، وإعادة بناء قواته المسلحة وتفعيل الجانب السياسي والاقتصادي كما فعله العراق للدفاع عن سيادته وأمنه و إلى مبادرة عسكرية في ساحة الحرب وسياسية على المستوى الاقليمي والدولي.

وفي المرحلة التي رفعت يران فيها شعار ما يسمى تصدير الثورة الاسلامية واستمرار الحرب وبالذات ( الخميني ) لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية واسعة واجهت اختباراً صعباً ، فالحرب التي كان من المفترض وفق الرؤية الإيرانية أن تفضي إلى نتائج استراتيجية كبيرة لصالحها، تحولت إلى استنزاف هائل لمواردها البشرية والاقتصادية والعسكرية وإستسلامها مرغمة وقبول قرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم ٥٩٨ لإنهاء الحرب. إذ طالب القرار بوقف فوري للعمليات العسكرية، ووقف جميع الأعمال العسكرية البرية والبحرية والجوية، وانسحاب قوات الطرفين إلى الحدود الدولية المعترف بها، إضافة إلى معالجة قضية أسرى الحرب.

ومن هنا فإن يوم ٨/٨/ ١٩٨٨م هو اليوم الذي انتهت فيه الاستراتيجية العدوانية الايرانية ومحاولة فرضها بالقوة، وانتصر فيه العراق وبرز صموده كعامل رئيسي في تغيير مسار الحرب ، فألعراق لم يخرج من الحرب منتصراً بالمعنى التقليدي الذي يعني فرض استسلام عسكري على الجانب الايراني ، لكنه تمكن من منع ايران من تحقيق اهدافها الإستراتيجية العدوانية الواسعةليس ضد العراق فحسب وإنما ضد الامة العربية كمشروع فارسي كبير كان يطمح إلى فرضه،.

 

فالانتصار و صمود العراق في الحرب كان عاملاً أساسياً في إفشال سياسة إيران التوسعية .

وأثبتت السنوات الثمان أن العراق، رغم التضحيات والضغط العسكري والاقتصادي الذي واجهه ، استطاع الثبات و المحافظة على قدراته القتالية وإعادة تنظيم قواته وتطوير أسلحته العسكرية بخبرة عراقيةحتى اللحظة الأخيرة.

ولهذا فإن يوم ٨/٨/١٩٨٨م يبقى في الذاكرة العراقية وفي تاريخ العراق المجيد المشرف الذي كتب بالدماء الطاهرة للشهداء والجرحى ، أكثر من تاريخ لوقف الحرب، إنه رمز بطولي لمرحلة طويلة من الصمود و الإنتصار في ساحات القتال والسياسة الحكيمة للقيادة السياسية والعسكرية وعلى رأسها شهيد الحج الأكبر صدام حسين رحمة الله عليه ، إذ توقفت المدافع واصوات أسلحة الحرب في ميدان القتال وبقى التاريخ شاهداً على أن العراق لم يُكسر ولم يهزم بل خرج منتصرا ،

أما المشروع الإيراني الذي أراد أن يجعل من استمرار الحرب وسيلة لتحقيق أهدافه العدوانية، فقد اصطدم بالقوة العسكرية العراقية وقدرتها على الصمود والانتصار النهائي ، لإيمانها بانها على الحق وضد عدوان إيراني غاشم متغطرس ،
وهنا تكمن دلالة يوم النصر العظيم في
٨/٨/١٩٨٨م إذ لم يكن يوم نهاية الحرب فحسب، بل كان يوم اختبارٍ نهائي للإرادة والصمود الوطني للعراقين الاحرار الذي
حمل رسالته الأبرز في التاريخ المعاصر ،

و عاملاً حاسماً في منع النظام الايراني من فرض إرادته في حرب عدوانية على العراق ، الرحمة والغفران في عليين لشهداء قادسية صدام المجيدة ، والعز والفخر والرفعة للاحياء منهم الذين حافظوا على الوعد والعهد ، وتباُ للخونة والمتخاذلين من ذيول إيران .

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24