د. سامح هدهود- روسيا
حين استيقظت… قررت أن أبتسم
استيقظت هذا الصباح، وكعادتي فتحت نافذتي لأستقبل يومًا جديدًا. لم يكن هناك سبب استثنائي يدعوني للفرح، ولم تكن كل مشكلات الحياة قد اختفت بين ليلة وضحاها، لكنني اتخذت قرارًا بسيطًا… أن أبتسم.
تذكرت قول النبي ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك صدقة». عندها أدركت أن الابتسامة ليست مجرد تعبير عابر على الوجه، بل عبادة، ورسالة، ولغة إنسانية يفهمها الجميع دون ترجمة. إنها صدقة لا تُنقص مالًا، لكنها قد تغيّر يوم إنسان بالكامل.
يظن البعض أن الإنسان يبتسم لأنه سعيد، بينما تؤكد الدراسات الحديثة أن الأمر قد يحدث بالعكس أيضًا؛ فالابتسام يحفز الدماغ على إفراز مواد كيميائية مثل الإندورفين والسيروتونين والدوبامين، وهي مواد ترتبط بالشعور بالراحة والطمأنينة وتحسن المزاج، كما تساعد على تقليل التوتر وخفض بعض الآثار الفسيولوجية للضغوط اليومية. لذلك فإن ابتسامة صادقة قد تكون بداية علاج ليومٍ مرهق، وليست مجرد نتيجة له.
ولهذا قال بعض الحكماء: أحيانًا يكون الفرح سبب الابتسامة، وأحيانًا تكون الابتسامة سببًا للفرح.
إن الوجه المبتسم شمس ثانية. فهو يبعث الطمأنينة في النفوس، ويمنح الآخرين رسالة غير منطوقة مفادها: “الدنيا ما زالت تستحق أن نعيشها.” ولا توجد إحصائية في العالم تستطيع أن تقيس دفء ابتسامة صادقة خرجت في وقت كان صاحبها في أمسِّ الحاجة إليها.
لكن الحياة ليست كلها ضحكات. فهناك لحظات يضيق فيها القلب، وتمتلئ العين بالدموع. والغريب أن الدموع، هي الأخرى، ليست دائمًا علامة ضعف كما يعتقد البعض.
فالدموع الطبيعية تحافظ على رطوبة العين، وتحمي سطحها من الجفاف، وتحتوي على مواد ذات خصائص مضادة لبعض الميكروبات، كما تساعد على تنظيف العين باستمرار. أما الدموع العاطفية، فقد أشارت أبحاث عديدة إلى أنها قد تسهم في تخفيف الشعور بالتوتر بعد المواقف الانفعالية، وتمنح الإنسان إحساسًا بالارتياح بعد البكاء لدى كثير من الناس، وإن كانت الاستجابة تختلف من شخص لآخر.
ومن رحمة الله بنا أن جعل لنا وسيلتين للتعبير عن المشاعر؛ ابتسامة حين تفيض الروح بالأمل، ودمعة حين يثقل القلب بما يعجز اللسان عن وصفه.
وأجمل المشاهد الإنسانية ليست الضحكة الصاخبة، ولا البكاء المرير، وإنما دمعة تمتزج بابتسامة.
هي دمعة أمٍّ تزف ابنها إلى مستقبله وهي تدعو له بالخير، ودمعة طبيب يرى مريضًا تعافى بعد معاناة، ودمعة إنسان سامح من أساء إليه، ودمعة شكرٍ لله بعد انفراج كربة ظن صاحبها أنها لن تنتهي.
إنها دموع الرحمة… تلك التي لا تهدم الإنسان، بل تعيد بناءه.
لقد وصف القرآن الكريم الدموع في أكثر من موضع، فجعلها أحيانًا دليل خشوع، وأحيانًا دليل رحمة، وأحيانًا دليل صدق الإيمان. فالدمعة التي تقرّب الإنسان من ربه ليست ضعفًا، بل قوة قلب، والابتسامة التي تُدخل السرور على قلب إنسان آخر ليست مجاملة، بل عبادة.
لهذا لا تجعل قسوة الحياة تنتزع منك هاتين النعمتين: ابتسامتك… ورحمتك.
ابتسم لمن تحب، وابتسم لمن لا تعرف، وابتسم حتى لنفسك عندما تنظر في المرآة. وإذا غلبتك الدموع يومًا، فلا تخجل منها، ما دامت دموعًا تحمل الرحمة، لا اليأس، والأمل، لا الاستسلام.
وفي النهاية…
اهدأ قليلًا، وخفف من وطأة الركض خلف كل شيء. شاهد الدنيا وكأنها عرض سينمائي تتبدل فيه الأدوار، ويظهر الأبطال ثم يرحلون، بينما تبقى الأخلاق هي الأثر الحقيقي الذي يتركه الإنسان خلفه.
ارتقِ بذاتك…
واجعل الناس يتذكرونك بوجهٍ باسم، وكلمةٍ طيبة، وقلبٍ رحيم.
فربما كانت ابتسامة منك صدقة، وكانت دمعة رحمة سببًا في أن تصبح إنسانًا أجمل…
صباح الخير يا بشر. 🌹














