بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
في زحام الأغاني التي تولد وتموت سريعًا، تقف بعض الأعمال شامخةً كأنها خرجت من زمنٍ لا يشيخ. ومن بين تلك الروائع الخالدة تبرز قصيدة «شويخ من أرض مكناس»، تلك الكلمات البسيطة التي غادرت أسواق المغرب قبل أكثر من سبعة قرون، ثم عادت لتصدح في الإذاعات والمسارح والهواتف الحديثة وكأنها كُتبت بالأمس.
إنها ليست مجرد أغنية شعبية جميلة، بل حكاية إنسانٍ ترك الدنيا خلفه، وحمل قلبه بين يديه، وطاف به في الأسواق ينشد الحكمة والمحبة والصدق.
*الششتري… الأمير الذي اختار الفقر*
هو. *الحسن علي بن عبد الله النميري الششتري الأندلسي*، أحد أشهر شعراء التصوف في الأندلس.
وُلِد سنة ٦١٠ هـ الموافق ١٢١٢م في منطقة وادي آش جنوب الأندلس، ونشأ في أسرة ذات جاهٍ وثراء، فتعلم العلوم الشرعية والأدب والفقه، وعاش في بيئةٍ مرفهةٍ كان يمكن أن تبقيه بين أهل النفوذ والمال طوال حياته.
لكن قلبه كان يبحث عن شيءٍ آخر.
وفي إحدى محطات حياته التقى بالمتصوف الشهير عبد الحق ابن سبعين، الذي غيّر مجرى حياته. وتروي المصادر أن ابن سبعين طلب منه إن أراد سلوك طريق التصوف الحق أن يتخلى عن مظاهر الوجاهة والترف، وأن يلبس لباس البسطاء، ويحمل الدف بين يديه، ويخالط الناس في الأسواق، بعيدًا عن الكبر والمظاهر.
فاستجاب الششتري لذلك النداء، وبدأ رحلة روحية طويلة جعلته واحدًا من أشهر شعراء التصوف في التاريخ الإسلامي.
*من الأندلس إلى مكناس*
بعد اضطرابات الأندلس وتنقله بين مدن المغرب، وصل الششتري إلى مدينة مكناس المغربية، ويُرجَّح أن ذلك كان في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، أي قبل نحو ٧٣٥ إلى ٧٥٠ عامًا من عصرنا الحالي.
هناك، وسط الأسواق والباعة والمتجولين والناس البسطاء، وُلدت قصيدته الأشهر.
لم يكن يخاطب الملوك ولا الأمراء.
بل كان يخاطب الإنسان العادي.
وكان يريد أن يقول للناس إن قيمة المرء ليست فيما يملك، بل فيما يحمل من صدقٍ وخيرٍ وصفاء قلب.
ومن هنا خرجت عبارته التي أصبحت أيقونة خالدة:
أش عليَّ من الناس
وأش على الناس مني
وهي عبارة تختصر فلسفة كاملة في التحرر من أحكام الناس والانشغال بإصلاح النفس.
القصيدة التي غنّاها الزمن
يُرجَّح أن الششتري ألّف هذه القصيدة ما بين عامي ١٢٥٠م و١٢٦٠م تقريبًا أثناء إقامته في المغرب.
وظلت محفوظة في كتب التراث والزجل الأندلسي قرونًا طويلة، حتى جاء القرن العشرون.
وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عثر الموسيقار البحريني خالد الشيخ على القصيدة أثناء بحثه في التراث الأندلسي، فأُعجب بلغتها وروحها الصوفية، وقام بتلحينها على مقام الراست.
أما أول من قدّمها بصوتٍ غنائي واشتهرت من خلاله عربيًا فهو الفنان البحريني *أحمد الجميري*، لتبدأ رحلة جديدة للقصيدة بعد أكثر من سبعة قرون من ولادتها.
ومنذ ذلك الحين أعاد غناءها عدد كبير من الفنانين العرب، وبقيت تتجدد مع كل جيل دون أن تفقد سحرها.
*نص القصيدة*
شويخ من أرض مكناس
وسط الأسواق يغني
أش عليّا من الناس
وأش على الناس مني
أش عليّا يا صاحب
من جميع الخلايق
افعل الخير تنجو
واتبع أهل الحقائق
لا تقل يا بني كلمة
إلا إن كنت صادق
خذ كلامي في قرطاس
واكتبوا حرزًا عني
أش عليّا من الناس
وأش على الناس مني
ثم قول مبين
ولا يحتاج عبارة
أش على حد من حد
افهموا ذي الإشارة
وانظروا كبر سني
والعصا والغزارة
هكذا عشت في فاس
وكذاك هون هوني
أش عليّا من الناس
وأش على الناس مني
وما أحسن كلامه
إذ يخطر في الأسواق
وترى أهل الحوانيت
تلتفت لو بالأعناق
بغرارة في عنقه
وعكيكز وأقراق
شويخ مبني على أساس
كما أنشأ الله مبني
أش عليّا من الناس
وأش على الناس مني
لو ترى ذا الشويخ
ما أرقه بمعنى
التفت لي وقال لي
أش نراك تتبعنا
أنا ننصب لي زنبيلاً
يرحموا من رحمنا
وأقاموا بين أجناس
ويقول دعني دعني
أش عليّا من الناس
وأش على الناس مني
من عمل يا بني طيب
ما يصيب إلا طيب
لعيوبه سينظر
وفعاله يعيب
والمقارب بحالي
يبقى برّا مسيّب
من معه طيبة أنفاس
يدري عذر المغني
أش عليّا من الناس
وأش على الناس مني
وكذاك اشتغاله
بالصلاة على محمد
والرضا عن وزيره
أبي بكر الممجد
وعمر قائل الحق
وشهيد كل مشهد
وعلي مفتي الأرجاس
إذا يضرب ما يثني
أش عليّا من الناس
وأش على الناس مني
يا إلهي رجوتك
جد عليّ بتوبة
بالنبي قد سألتك
والكرام الأحبة
الرجيم قد شغلني
وأنا معه في نشبة
قد ملأ قلبي وسواس
مما هو يبغي مني
أش عليّا من الناس
وأش على الناس مني
تم وصف الشويخ
في معاني نظامي
وإني خواص ونقري
لأهل فني سلامي
وإذا جوّزوني
نقول أول كلامي
شويخ من أرض مكناس
وسط الأسواق يغني
أش عليّا من الناس
وأش على الناس مني
*الخاتمة*
رحل الششتري عن الدنيا سنة ٦٦٨ هـ الموافق ١٢٦٩م في مصر، لكن قصيدته بقيت حيّةً أكثر من سبعة قرون.
لقد سقطت ممالك، واندثرت دول، وتغيرت لغات ولهجات، لكن ذلك “الشويخ” البسيط ما زال يمشي بين الناس، يحمل حكمته القديمة، ويغني في أسواق الزمن:
«أش عليّا من الناس… وأش على الناس مني»
وكأن الششتري أراد أن يخبر البشرية كلها أن راحة القلب لا تبدأ حين يرضى الناس عنك، بل حين ترضى أنت عن طريقك إلى الله.













