بقلم: د. رياض عبد الستار الدليمي
شهدت بغداد مؤخراً حراكاً إيرانيّاً مكثفاً تجسّد في زيارتين ذات دلالات عميقة؛ الأولى جرت في الكواليس بعيداً عن الأضواء بقيادة إسماعيل قاآني (قائد فيلق القدس)، والثانية تحت أضواء الكاميرات والدبلوماسية الرسمية بزيارة محمد باقر قاليباف (رئيس البرلمان الإيراني). إن هذا التتابع السريع في الزيارات ليس صدفة، بل يمثل قراءة صريحة لأسلوب تحرك النظام الإيراني تجاه الملف العراقي.
حملت زيارة قاآني لغة الخطوط الحمراء والوعيد، محذرة من المساهمة في تقويض سلاح الفصائل أو الاقتراب من مناطق نفوذها الحصينة كـ “جرف الصخر”، في حين جاءت زيارة قاليباف بعبارات التهدئة والبحث عن “حلول ناعمة”، تطرح أفكاراً من قبيل ترحيل الأزمة، أو البحث عن مخرجات تتيح تخزين سلاح الفصائل مؤقتاً لتفادي تطبيق الدستور العراقي وفرض حصر السلاح بيد الدولة.
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في هذه الطروحات التي تتجاوز على سيادة العراق، بل في انخداع بعض المحللين والمتابعين بها؛ حيث يسارعون إلى توهّم وجود جناحين داخل النظام الإيراني: “صقور الحرس الثوري” المفاوضين بالسلاح، و”حمائم الدبلوماسية” الباحثين عن التفاهم والتهدئة.
وهنا ينبغي وضع النقاط على الحروف؛ فالدبلوماسية العسكرية والدبلوماسية البرلمانية الإيرانية في العراق ليستا اتجاهين متناقضين، بل هما «توزيع أدوار» متقن ضمن رؤية إستراتيجية واحدة موحدة. أحدهما يفرض أوهام النفوذ بالبندقية والتهديد، والآخر يسعى لتمرير نفس الأهداف بنعومة “التفاهمات والحلول الوسط”. كلاهما يغترف من المشرب نفسه، والهدف هو مصادرة القرار العراقي، والتملص من استحقاقات الدستور، وإبقاء بغداد ساحة لترحيل الأزمات الإقليمية.
إن العراق اليوم، بمؤسساته الرسمية، وجيشه البطل، وقضائه المستقل، وإرادة شعبه، لم يعد مضماراً لتبادل الأدوار الخارجي. إن فرض سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة وهيبتها على كامل أراضيها كـ “جرف الصخر” وغيرها، هي خطوط حمراء عراقية خالصة لا تقبل المساومة أو الالتفاف، ولا تراجع عنها تحت أي ذريعة.
إن الوطنية الحقيقية تتطلب اليوم موقفاً شجاعاً وحازماً يرفض التبعية والسلاح الموازي بكافة أشكاله، سواء جاء بزي عسكري أو بقميص دبلوماسي؛ فلا مكان في عراق المستقبل لسلطة تعلو فوق سلطة الدستور والقانون.















