حين يروي البرونز الحكاية: النقود والآثار الرومانية في موزاية (التي تمتد من شفة إلى واجر قبل التقسيم الفرنسي ) وضواحيها “الجزء الثالث”

 بقلم بلحمدي رابح البليدة الجزائر

 بريق البرونز في أعماق التربة

في ضواحي موزاية القديمة، حيث يختلط عبق الأرض بأسرار الزمن، كُشف النقاب عن قطعتين نقديتين غابرتين، حملتهما يد الأستاذ عامر عبد الحق إلى النور (شكرًا للأستاذ عامر عبد الحق الذي قدّم لي هاتين القطعتين من منطقة بني جماعة). لم تكن هاتان القطعتان مجرد معدن قديم أُهمل في باطن الأرض، بل هما شهادة صامتة على مرحلة حضارية شهدتها المنطقة قبل ألفي عام، حين بسطت روما جناحها على شمال إفريقيا.

السياق التاريخي

في العام 42 ميلادي، حين ضمّ الإمبراطور كلوديوس مملكة موريطانيا إلى روما، أصبحت المنطقة الممتدة من تيبازة مرورًا بمتيجة وصولًا إلى تيتري ساحةً عسكريةً وتجاريةً.

موزاية ما قبل الكولنيالية ، بموقعها الإستراتيجي، كانت قلبًا نابضًا يربط بين الساحل والجبال. هنا أقيمت الطرق المعبدة، وهنا ارتفعت الحصون والمعسكرات لمراقبة القبائل وضمان أمن الطرق. المراجع الفرنسية مثل أعمال ستيفان غسيل (Stéphane Gsell) وروبير بويّو (Boillot, 1898) تشهد على هذا الوجود المكثف للرومان في متيجة.

النقود المكتشفة

في أرض بني جماعة، وُجدت قطعتان نقديتان رومانيّتان ثمينتان

الوجه الأمامي (Obverse): صورة جانبية لإمبراطور روماني، قسمات صارمة، رأس يعلوه إكليل غار، تحيط به نقوش لاتينية تبدأ بـ “IMP” وتنتهي بـ “AVG”. هذه السمات تحمل ملامح قسطنطين الكبير (306–337م)، الإمبراطور الذي أعاد صياغة ملامح الإمبراطورية وأسس لعصر جديد.

الوجه الخلفي (Reverse): مشهد «بوابة معسكر» (Camp Gate) يعلوها نجمة صغيرة وتحيط بها الأبراج. ليس مجرد نقش زخرفي، بل رمز سياسي وعسكري يُذكّر بأن روما حاضرة لحماية حدودها حتى في أقاصي موريطانيا.

هذه العملات لم تكن مجرد وسيلة للتبادل، بل رسائل مرسومة على معدن، تؤكد قوة الإمبراطور ومجد جيشه.

المعطيات الأثرية في المنطقة

في موزاية وضواحيها (حي بن عيشوبة، معسكر لاروي، شفة، عفرون، وواجر)، تظهر الصخور الأثرية وبقايا البناءات الرومانية. أساسات لحصون صغيرة، أحجار منحوتة، وقطع متناثرة تُثبت أن هذه الأرض كانت جزءًا من شبكة الدفاع الرومانية التي أحاطت بمتيجة.

المراجع الفرنسية القديمة تحدثت عن موزاية باعتبارها عقدة عسكرية تربط الداخل بالساحل. هنا مرّت القوافل، وهنا تمركزت الحاميات. وربما كان الجنود الذين حرسوا هذه البوابات هم أنفسهم الذين تداولوا العملات التي وصلت إلينا اليوم.

الدلالات التاريخية

إن القطعتين النقديتين، مع ما بقي من آثار وصخور، تشهد على أن موزاية لم تكن هامشًا في التاريخ، بل مركزًا فاعلاً في البنية الاقتصادية والعسكرية للرومان. النقود هنا نصوص سياسية باردة، والأحجار هنا صفحات كتاب لم يُقرأ بعد.

ما بين شفة وبني جماعة، وعفرون وواجر، يتوزع إرث حضارة لم تنطفئ، إرثٌ يروي كيف حوّل الرومان هذه الأرض إلى نقطة توازن بين البحر والجبل.

هكذا تبوح موزاية الكبيرة بأسرارها: صورة قسطنطين الكبير، بوابة معسكر محفورة على البرونز، وصخور شاهدة على المعسكرات القديمة. هذه الاكتشافات، التي أضاء عليها الباحث رابح بلحمدي، ليست مجرد بقايا صامتة، بل نوافذ تُفتح على تاريخ غني يستحق أن يُكتب بحروف من ذهب. إنها دعوة للغوص في الذاكرة، وإحياء الحكاية التي ما زالت تنبض في تربة موزاية ومتيجة.

المراجع

Stéphane Gsell, Recherches archéologiques en Algérie.

Robert Boillot, Blida, 1898.

أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية (gallica.bnf.fr).

Étienne de Lacroix, Études sur la Maurétanie Césarienne.

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24