موزاية عبر العصور: من بلاد الأفيال إلى مركز الاستيطان الاستعماري ” الجزء الثاني “

بقلم: بلحمدي رابح – البليدة، الجزائر

المقدمة

تُعدّ منطقة موزاية، الواقعة جنوب مدينة البليدة وعلى مشارف الأطلس البليدي، من أهم المواقع التاريخية في شمال إفريقيا. فقد كانت عبر العصور ملتقى طرق، وجسرًا بين سهول متيجة الخصبة وجبال التيطري الوعرة. هذه الخصوصية جعلتها شاهدة على تعاقب الحضارات: من القرطاجيين والرومان إلى العثمانيين فالفرنسيين، وصولاً إلى دورها في المقاومة والثورة التحريرية.

  1. موزاية في العهد القديم والقرطاجي

عرفت المنطقة عند بعض المؤرخين القدامى باسم Elephantaria أي “بلاد الأفيال”، نسبة إلى الفيلة التي استعملها القرطاجيون في حروبهم ضد الرومان. وجود الفيلة في المنطقة دليل على ثراء بيئي وتاريخي جعلها نقطة اهتمام استراتيجية.

  1. موزاية في العهد الروماني

مع دخول الرومان، تحولت موزاية إلى مركز عسكري مهم لحماية طرق التجارة والتنقل بين متيجة وتيطري. وقد بُني بها معسكر روماني يُعرف باسم كاسترا تاناراموزا (Tanaramuza Castra)، وهو معسكر مُحاط بأسوار وأبراج مراقبة.

كان دوره الأساسي مراقبة الطريق الروماني وضمان أمن القوافل التجارية والعسكرية، مما يؤكد الأهمية العسكرية والاقتصادية للمنطقة في تلك الحقبة.

  1. موزاية في الفترة الإسلامية

مع الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا، واصلت موزاية أداء دورها كمنطقة عبور بين السهول والجبال، حيث استفادت من موقعها على الطرق التجارية المؤدية إلى التيطري فالصحراء. وظلت مرتبطة بمدينة البليدة التي عُرفت كمركز حضري وعلمي بارز.

  1. موزاية في العهد العثماني

أُدمجت المنطقة في التنظيم الإداري العثماني، حيث كانت تابعة لنظام القبائل، وتؤدي الضرائب إلى الديوان المركزي. وقد استفادت من قربها من البليدة التي صارت مركزًا حضريًا واقتصاديًا.

  1. موزاية في العهد الفرنسي (Mouzaïaville)

بعد احتلال الجزائر، أنشأ الفرنسيون مستوطنة في موزاية سُميت Mouzaïaville. جُلب إليها مستوطنون من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ومالطا، واستفادوا من الأراضي الزراعية الخصبة.

في المقابل، أُبعد السكان الأصليون نحو الجبال وحُرموا من خيرات المنطقة. كما شهدت موزاية مقاومة شرسة ضد المستعمر خلال القرن التاسع عشر، وكانت جزءًا من المشهد الواسع للمقاومة الشعبية في متيجة والأطلس البليدي.

  1. موزاية والثورة التحريرية

بفضل موقعها الجبلي الاستراتيجي، لعبت موزاية دورًا مهمًا خلال الثورة التحريرية (1954-1962). فقد كانت نقطة اتصال آمنة بين السهول والجبال، وساهم أبناؤها في المعارك ضد الاستعمار الفرنسي.

الخاتمة

تمثل موزاية اليوم شاهدًا حيًا على تعاقب الحضارات في الجزائر. فمن Elephantaria القرطاجية إلى كاسترا تاناراموزا الرومانية، ومن العهد العثماني إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية، ظلت المنطقة مركزًا استراتيجيًا يجمع بين التاريخ والمقاومة. وهي بذلك تعكس الصورة المصغرة للتاريخ الجزائري بأبعاده المتعددة.

 

المراجع

    1. Stéphane Gsell, Histoire ancienne de l’Afrique du Nord, Paris.
    2. René Lespès, La colonisation de la Mitidja, Paris, 1938.
    3. Yves Lacoste, L’Algérie, nation et société, Paris.
    4. Catholic-Hierarchy, Elephantaria in Mauretania (Titular See).
    5. Trismegistos Database, Thanaramusa (Castra).
    6. الدكتور رابح خدوسي، البليدة مدينة الورود والبارود

 

 

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24