وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي
اختتم المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية والريفية بولاية الخرطوم أمس ملتقى تدريب الشباب لبناء القدرات وتحقيق التنمية المستدامة في حوض النيل، بمشاركة مسؤولين ومبادرات معنية بالبيئة والحكم المحلي. وناقش الملتقى تحديات إدارة المياه والتكيف مع التغيرات المناخية، وتعزيز التعاون بين دول الحوض، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء في القرار .
في تقديري تكتسب هذه الفعالية أهمية كبيرة في هذه الظروف والتحولات التي تمر بها بلادنا وتمر بالمنطقة عموما ،اذ تتجاوز التدريب والتوعية، لتطرح سؤالاً استراتيجياً حول قدرة دول الحوض على تحويل الموارد المائية المشتركة من مجال لتباين المصالح إلى رافعة للتنمية والاستقرار.
فالأمن المائي في حوض النيل لم يعد قضية فنية تتعلق بإدارة المياه وحدها، بل معادلة سياسية وتنموية تتداخل فيها اعتبارات السيادة والاحتياجات الاقتصادية والضغوط السكانية والمخاطر المناخية. وفي ظل تفاوت أولويات دول الحوض، تبرز الحاجة إلى مقاربات جديدة تعزز مفهوم التنمية المستدامة ، تقوم على الحوار وتبادل المعلومات والخبرات، وتطوير آليات عملية للتعاون، بما يوازن بين المصالح الوطنية ومتطلبات الاستدامة الإقليمية. فالتحدي ليس في اختلاف الاحتياجات، بل في القدرة على إدارتها ضمن إطار يحد من التوتر ويوسع فرص المصالح المشتركة.
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع التغيرات المناخية وما تفرضه من ضغوط على الموارد الطبيعية والزراعة وسبل كسب العيش. وهو ما يجعل الوعي البيئي ضرورة تتجاوز الخطاب التوعوي إلى بناء سياسات تستند إلى المعرفة العلمية والخبرات التي تتمتع بها الدول ، وترشيد استخدام المياه، وحصادها، واستعادة الغطاء النباتي، وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف. فالمخاطر المناخية لا تعترف بالحدود السياسية، الأمر الذي يجعل مواجهتها مسؤولية تتطلب تنسيقاً إقليمياً يتجاوز المعالجات المنفردة.
وبالنسبة إلى بلادنا ، تتصل القضية مباشرة بأولويات التعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب. وقد أكدت الأمين العام للمجلس، غادة حسين العوض، التحديات البيئية التي تواجه ولاية الخرطوم، خاصة تراجع الغطاء النباتي، مشددة على دور الشباب في قيادة المبادرات البيئية ومشروعات التشجير.
وتكشف هذه الأولويات عن ضرورة توسيع مفهوم إعادة الإعمار ليشمل ترميم البيئة وتعزيز قدرة المدن على مواجهة المخاطر المناخية، لا الاكتفاء بإصلاح البنية التحتية والخدمات. فالتنمية المستدامة لا تُقاس بسرعة استعادة المرافق وحدها، بل بقدرة المجتمع على حماية موارده واستدامتها.
غير أن الرهان الحقيقي يتمثل في أهمية تحويل مخرجات هذا الملتقى إلى برامج قابلة للتنفيذ، تتيح للشباب المشاركة الفعلية في تصميم المشروعات البيئية ومتابعتها، وتدعم دور الشبكة الوطنية لشباب النيل في تبادل الخبرات وتوسيع التعاون الإقليمي. كما أن إشراك النساء، الذي عكسته ورشة ملتقى وادي النيل ، يعزز ارتباط المبادرات باحتياجات المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق الريفية، حيث تتقاطع قضايا المياه والغذاء والموارد الطبيعية مع متطلبات التمكين الاقتصادي وبناء السلام.
سياسياً، يحتاج السودان إلى ربط أولوياته الوطنية في إدارة المياه والتعافي البيئي بانخراط أكثر فاعلية في التعاون بين دول الحوض، من خلال تعزيز القدرات المؤسسية المتمثل في العودة الحاكمة للموارد المائية في القرار، بجانب تبادل البيانات، وتطوير المبادرات المشتركة. فالأمن المائي لا يتحقق بمعزل عن التنمية، كما أن التعاون الإقليمي لا يستقيم دون مؤسسات قادرة على تحويل التفاهمات إلى مشروعات ومنافع ملموسة للمجتمعات.
الأمن المائي لا يقتصر على ترشيد الاستهلاك والحد من الفاقد، بل يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز إدارة المتاح إلى تنمية الموارد. فالحكومة مطالبة بالتخطيط لمشروعات جديدة لحصاد المياه و المواصلة في برنامج صفرية العطش، وتطوير بنيات الري، والاستفادة من المياه الجوفية والأمطار، إلى جانب صيانة الشبكات ورفع كفاءتها. ويأتي دور المواطن في ترشيد الاستخدام، والإعلام في بناء الوعي ومساءلة المؤسسات عن سياساتها وإنجازاتها. فالأمن المائي لا يتحقق بإدارة الندرة وحدها، بل بقدرة الدولة على زيادة الموارد، وحسن استثمارها، وضمان استدامتها للأجيال القادمة.
إن القيمة الاستراتيجية للملتقى بحسب #وجه_الحقيقة ،لا تكمن في طرح تحديات المياه والمناخ فحسب، بل في فتح المجال أمام مقاربة تجعل الشباب والنساء شركاء في صناعة الحلول. ويبقى الاختبار في الانتقال من التوعية إلى التنفيذ، ومن المبادرات الموسمية إلى سياسات مستدامة. فالنيل، بما يمثله من مورد مشترك ومجال للتفاعل بين شعوبه، يمكن أن يصبح جسراً للتنمية والاستقرار متى اقترنت الإرادة السياسية بالتخطيط العلمي والعمل المؤسسي والتنموي ، وأصبح أمن الإنسان محوراً لمعادلته المائية.
دمتم بخير وعافية
الإثنين 12 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com















