حكومة الأمل … حسابات البقاء أو الذهاب

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

في أوقات التحولات، لا تُقاس الحكومات بما أنجزته ،وإنما بمدى الحاجة إليها. فثمة حكومات تستمر لأنها نجحت، وأخرى تستمر لأن كلفة استبدالها أعلى من كلفة الإبقاء عليها. ومن هذه المعادلة، تبدو حكومة د. كامل إدريس اليوم عند منعطف سياسي بالغ الحساسية، حيث تحديات الحرب، وضغوط الاقتصاد، وحسابات التسوية المحتملة، في مشهد يجعل السؤال عن بقائها أكثر تعقيدًا من مجرد تقييم أدائها.

عندما قبل إدريس التكليف، لم يأتِ إلى المنصب بلا تصور. فقد قدم وثيقتين، الأولى تضمنت خطة عمل، والثانية رؤية لتنفيذها، واضعًا بذلك إطارًا نظريًا لإدارة المرحلة. لكن التجربة كشفت أن امتلاك الرؤية شيء، والقدرة على تحويلها إلى مشروع سياسي وتنفيذي شيء آخر. فالرؤية بقيت حبيسة الوثائق، ولم تجد آلة سياسية وإعلامية قادرة على تحويلها إلى خطاب تعبوي يمنح السودانيين شعورًا بأن “حكومة الأمل” ليست مجرد اسم، وإنما مشروع دولة تتوحد حوله المؤسسات و النخب والرأي العام.

ولعل هذا كان أول مظاهر الخلل. فالبلاد في هذه المرحلة لا يكفيها برنامج حكومي جيد، وإنما تحتاج إلى قيادة تصنع الثقة، وتبني الأمل، وتدير اتجاهات الرأي بالقدر نفسه الذي تدير به الملفات التنفيذية. ولذلك لم يكن التحدي في نقص الأفكار، بل في غياب الدعم السياسي الذي يحولها إلى واقع.

ثم جاءت طريقة تشكيل الحكومة لتضيف مؤشرات أخرى. فقد أُعلنت التشكيلة الوزارية على دفعات، وتأخر استكمالها، وما تزال بعض الحقائب، ومنها وزارة البيئة، تنتظر من يشغلها، بينما ظل موقع الوزيرة لمياء عبد الغفار، التي مثلت أحد أكثر الوجوه نشاطًا في بدايات الحكومة شاغرًا بعد مغادرتها. وقد تبدو هذه التفاصيل إدارية، لكنها في السياسة تعكس مستوى الانسجام داخل الجهاز التنفيذي، ومدى قدرته على الإدارة.

أما خارجيًا، فقد تحرك رئيس الوزراء في أكثر من اتجاه، غير أن السياسة الخارجية افتقدت رواية متماسكة تربط بين الزيارات والنتائج. وكانت زيارة جمهورية مصر والمملكة السعودية وبريطانيا، مثالًا على ذلك، إذ لم تتحول لأسباب مختلفة، إلى اختراق سياسي أو اقتصادي يوازي أهميتها، وهو ما عزز الانطباع بأن الحكومة تتحرك أكثر مما تؤثر، وتنتقل بين العواصم أكثر مما تبني مسارات استراتيجية مستدامة.

وفي الداخل ظل الاقتصاد هو الامتحان الأصعب. وقد سبق أن أشرنا في مقال “حكومة الأمل والتعافي المؤجل” إلى أن معركة الحكومة الحقيقية ستكون على مائدة المواطن، لأن استقرار الأسواق واستعادة قيمة العمل والإنتاج هما المعيار الذي يحكم به الناس على نجاح أي حكومة. وحتى الآن لا تزال هذه المعركة مفتوحة، فيما تتزايد الأزمات والضغوط المعيشية وتتسع الفجوة بين التوقعات والنتائج.

ومع ذلك فإن كل هذه الملاحظات لا تقود بالضرورة إلى استنتاج أن الوقت قد حان لإعفاء الحكومة. فالسياسة ليست إدارة للرغبات، وإنما إدارة للتوقيت. وفي تقديري، فإن السودان يقف اليوم أمام معادلة مختلفة، إذ تشير حركة الاتصالات الإقليمية والدولية إلى أن الأشهر المقبلة قد تحمل ملامح تسوية سياسية، أو على الأقل بداية مسار تفاوضي جديد، وهو ما يجعل الإقدام على تغيير الحكومة في هذا التوقيت قرارًا يحتاج إلى حسابات دقيقة.

فأي حكومة جديدة ستحتاج إلى وقت لتشكيلها، وترتيب أولوياتها، وبناء فريق عملها، وهو وقت قد يمتد لشهرين أو أكثر، قبل أن تدخل في دورة الأداء. وإذا افترضنا أن مسارًا سياسيًا جديدًا بدأ يتشكل خلال الأشهر التالية، فإن البلاد ستكون مضطرة مرة أخرى إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية بما يتوافق مع ترتيبات المرحلة الجديدة. وعندها تكون الدولة قد استهلكت وقتًا وجهدًا في تغييرين متتاليين، بينما كان الأولى توظيف هذا الوقت في تثبيت الأداء الماثل والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

لذلك قد يكون الخيار الأكثر واقعية ليس تغيير رئيس الوزراء، وإنما مراجعة حكومته. والمفارقة أن هذا المعيار وضعه كامل إدريس بنفسه عندما أعلن أن البقاء في المنصب سيكون رهينًا بتقييم الأداء. وإذا كان الأمر كذلك، فإن اللحظة الراهنة تبدو مناسبة لتطبيق هذا المبدأ، عبر مراجعة أداء الوزراء، واستبدال من لم يحققوا إضافة حقيقية، وضخ كفاءات جديدة تمنح الحكومة قدرة أكبر على مواجهة تحديات المرحلة.

إن بقاء الحكومة بصيغتها الحالية قد لا يكون مقنعًا، كما أن إقالتها بالكامل قد لا يكون الخيار الأمثل. وبين هذين الخيارين، يبرز مسار ثالث أكثر اتزانًا، يقوم على إعادة هيكلتها واستكمالها ، وتعزيز كفاءتها، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الذي تحتاج إليه الدولة وهي تعبر واحدة من أكثر مراحلها السياسية والاقتصادية حساسية.

وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن السؤال اليوم ليس: هل يرحل كامل إدريس؟ وإنما: كيف تعبر الدولة ما تبقى من هذه المرحلة بأقل قدر من الخسائر ؟ فإذا كانت الأشهر المقبلة مرشحة لإعادة رسم المشهد السياسي، فإن الحكمة تقتضي إدارة الزمن بكفاءة، لا استهلاكه في تبديل الحكومات. أما حكومة الأمل، فإن بقاءها لن يبرره مرور الوقت، بل قدرتها على مراجعة نفسها، واستعادة المبادرة، وإثبات أن معيار الأداء الذي رفعته شعارًا، أصبح ممارسة لا مجرد وعد مؤجلة مع التقليل من التحركات الخارجية دون رؤية، ودون مخرجات حقيقية تعيد رسم المشهد الاقتصادي والسياسي.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 30 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *