بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
في أرض الرستاق، حيث تتعانق الجبال مع التاريخ، وحيث ما زالت خطوات الأئمة والقادة تتردد في أرجاء المكان، يقف حصن الحزم شامخاً كأنه تحدٍّ أطلقه الأجداد في وجه الزمن. لا يعلو فوق قمة جبل، ولا يتربع على صخرة شاهقة كما هي حال بعض القلاع العُمانية، بل يقف على الأرض بثبات الواثق، وكأنه يقول: “القوة الحقيقية لا تحتاج إلى علو المكان، بل إلى عظمة البناء.”
وحين يقترب الزائر من حصن الحزم، يدرك منذ اللحظة الأولى أنه أمام معلم مختلف. فهنا لا تستقبلك الأبراج وحدها، بل تستقبلك هيبة المكان. جدران ضخمة، وأبواب هائلة، وأقواس متناسقة، وتفاصيل معمارية تجعل الحصن أشبه بعمل فني أبدعته أيدي البنّائين العُمانيين قبل أكثر من ثلاثة قرون.
شُيّد حصن الحزم في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي على يد الإمام سلطان بن سيف اليعربي الثاني، في مرحلة كانت عُمان تعيش فيها أوج قوتها السياسية والعسكرية والبحرية. وكان الهدف من بنائه أن يكون مركزاً للإدارة والحكم، وحصناً دفاعياً يعكس مكانة الدولة اليعربية التي نجحت في توحيد البلاد وطرد البرتغاليين من السواحل العُمانية، ثم امتدت قوتها إلى سواحل شرق أفريقيا وأعالي البحار.
لكن ما يجعل حصن الحزم استثنائياً ليس تاريخه فحسب، بل عبقريته الهندسية التي ما زالت تثير إعجاب المهندسين والمؤرخين حتى يومنا هذا.
فمن أشهر ما يلفت الأنظار في الحصن أبوابه العملاقة المصنوعة من خشب الساج الصلب، والتي نُقلت من الهند عبر البحر إلى عُمان. وتُعد هذه الأبواب من أكبر الأبواب الخشبية التاريخية في المنطقة، وقد زُينت بمسامير ونقوش جميلة تعكس مهارة الصناع في ذلك العصر.
وعندما تدخل الحصن، تكتشف عالماً متكاملاً من الأسرار الهندسية. فهناك ممرات دفاعية خفية، وغرف مراقبة، ومخازن للتموين، وأماكن مخصصة للجنود والحراس، إضافة إلى نظام متقن لتوزيع المياه والتهوية الطبيعية داخل المبنى.
ومن أعظم ما يميز حصن الحزم أنه بُني من دون استخدام أعمدة خشبية لحمل الأسقف في معظم أجزائه الرئيسية، وهو إنجاز هندسي مذهل بالنظر إلى حجم المبنى وضخامته. وقد اعتمد البناؤون على الأقواس الحجرية المتقنة لتوزيع الأحمال، مما منح الحصن قوةً ومتانة استثنائية مكنته من الصمود عبر القرون.
وكان الحصن مجهزاً أيضاً بفتحات للرماية ومواقع للمدافع، بحيث يستطيع المدافعون مراقبة المنطقة المحيطة والتصدي لأي هجوم محتمل. وقد صُممت الأبراج والزوايا الدفاعية بعناية تسمح بتغطية جميع الاتجاهات، وهو ما يعكس فهماً عسكرياً متقدماً لفنون الدفاع والتحصين.
لكن الحزم لم يكن حصناً للحرب فقط، بل كان مركزاً للحياة والإدارة والعلم. ففي قاعاته الواسعة كانت تُعقد المجالس، وتُناقش شؤون الدولة، وتُستقبل الوفود، وتُتخذ القرارات التي تؤثر في حياة الناس. ولذلك لم يكن مجرد بناءٍ من الحجر والجص، بل كان قلباً نابضاً بالحركة والفكر والسياسة.
ومن بين جدرانه يرقد الإمام سلطان بن سيف اليعربي الثاني، إذ يضم الحصن ضريحه، وكأن الرجل الذي أمر ببنائه أراد أن يبقى جزءاً من هذا الصرح إلى الأبد. وهكذا تحول الحصن إلى شاهدٍ على حياة صاحبه وإنجازاته، وإلى صفحة خالدة من صفحات التاريخ العُماني.
وحين تتجول في أروقته اليوم، تشعر أن كل زاوية فيه تحكي قصة. هذا بابٌ عبر منه إمام، وهذه قاعة اجتمع فيها القادة، وتلك نافذة راقب منها الحراس الطرق المؤدية إلى الرستاق. أما الجدران الصامتة، فلو أُذن لها بالكلام لروت حكايات قرون من المجد والعطاء.
ويقع حصن الحزم في منطقة غنية بالمعالم التاريخية والطبيعية، بالقرب من الرستاق التي كانت عاصمةً لعُمان في فترات عديدة من تاريخها. ولذلك فإن زيارة الحصن لا تعني مشاهدة مبنى أثري فقط، بل تعني السفر عبر الزمن إلى عصرٍ كانت فيه عُمان قوة بحرية وسياسية يُحسب لها ألف حساب.
واليوم، وبعد أعمال الترميم والصيانة التي حافظت على رونقه الأصيل، أصبح حصن الحزم واحداً من أهم الوجهات التراثية في سلطنة عُمان، يقصده الزوار من مختلف أنحاء العالم للتعرف على عبقرية الإنسان العُماني وإبداعه في فن العمارة والتحصين.
إن حصن الحزم ليس مجرد شاهد على الماضي، بل رسالة إلى الحاضر والمستقبل. رسالة تقول إن الأمم العظيمة لا تبني الحصون لتحتمي بها فقط، بل تبنيها لتخلّد قيمها وإنجازاتها وهويتها.
وحين تغيب الشمس خلف جبال الرستاق، وتنساب أشعتها الأخيرة على جدران الحصن الذهبية، يبدو المكان وكأنه يهمس للزائر:
*”قد تهدأ المدافع، وقد ترحل الجيوش، لكن البناء الذي شُيّد بالإرادة والعلم يبقى شاهداً على عظمة أصحابه.”*
وهكذا سيبقى حصن الحزم، ما بقيت عُمان، تحفةً معمارية خالدة، وقصيدةً من الحجر، تروي للأجيال قصة وطنٍ صنع مجده بالإيمان والعلم والشجاعة.














