ضياء الصفار
ليس السؤال اليوم من هو علي خامنئي، ولا ما هو موقعه في النظام الإيراني، فذلك أمر معلوم. السؤال الحقيقي هو ، بأي حق تُحوَّل مدن العراق بغداد والنجف وكربلاء إلى محطات رسمية في مراسم تشييع هذا المجرم الذي كان هو ونظامه سبباً مباشراً في أحتلال العراق وبسط نفوذه وهيمنته ، بينما ما زالت جراح العراقيين الناجمة عن سنوات العنف والانقسام والفساد والتدخلات الخارجية مفتوحة لم تندمل؟
إن إقامة مراسم تشييع رسمية لخامنئي على الأراضي العراقية لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد مناسبة بروتوكولية أو دينية، بل هي حدث سياسي بامتياز، يحمل رسائل تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية إلى التعبير عن طبيعة العلاقة بين السلطة الحاكمة في بغداد والنظام الإيراني الذي يطبق بهيمنة مطلقة على المنظومة الحاكمة في العراق وأحزابها وبالتالي جعلها بلا قرار وبلا سيادة!!!
فبالنسبة إلى ملايين العراقيين، ارتبط اسم النظام الإيراني بمرحلة هي من أكثر المراحل قسوة في تاريخ العراق الحديث ،مرحلة شهدت تمدد الميليشيات، وتراجع سلطة الدولة، وتصاعد الفساد، والانقسامات الطائفية، وعمليات الاغتيال والتهجير، والإقصاء السياسي، وسيادة السلاح خارج إطار القانون ، وأن قطاعات واسعة من العراقيين ترى في السياسات الإيرانية أحد أبرز العوامل التي عمّقت أزمات العراق بعد عام 2003 ، لأنها تنفذ مشروعاً ممنهجاً لتدمير العراق وتفكيكه بهدف السيطرة عليه .
لذلك، فإن استقبال جثمان خامنئي في بغداد والنجف وكربلاء يمثل، في نظر هؤلاء العراقيين، استفزازاً مباشراً لمشاعر عائلات الضحايا، وإهانة لذاكرة آلاف الشهداء، ورسالة مؤلمة لمن فقدوا أبناءهم أو أوطانهم أو مستقبلهم خلال سنوات الصراع.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن مشاركة الرئاسات العراقية وكبار المسؤولين وقادة الأحزاب الحاكمة في مراسم التشييع داخل إيران تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول استقلالية القرار العراقي. فالدول ذات السيادة تبني علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، لا وفق اعتبارات الولاء لمحاور إقليمية أو حسابات أيديولوجية.
إن ما يجري يرسخ لدى الرأي العام العراقي الانطباع بأن القرار السياسي في بغداد ما زال أسير النفوذ الإيراني، وأن الدولة العراقية لم تستطع حتى اليوم رسم حدود واضحة بين احترام العلاقات الدولية وبين الخضوع لتأثيرات الخارج.
كما أن هذه الخطوة تحمل أبعاداً إقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها، إذ تأتي في ظرف شديد الحساسية تشهده المنطقة، وستؤكد للولايات المتحدة الأميركية على أنها اصطفاف سياسي مع إيران، الأمر الذي يضع العراق مجدداً في قلب صراعات المحاور، بينما يفترض أن تكون أولويته حماية مصالحه الوطنية والنأي بنفسه عن الاستقطابات الإقليمية.
إن العراق ليس محافظة إيرانية، وبغداد ليست امتداداً لأي عاصمة أخرى. والعراقيون، على اختلاف انتماءاتهم، يستحقون دولة تجعل كرامتهم وسيادتهم فوق كل اعتبار ،
لقد دفع هذا الشعب أثماناً باهظة من الدماء والدموع والخراب، ومن حقه أن يرى مؤسسات دولته تعبر عن إرادته الوطنية، لا أن تتحول إلى منصة لتكريم رموز سياسية أو دينية يرتبط اسمها، في نظر العراقيين ، بمرحلة كانت من أكثر مراحل تاريخه قهراً وألماً.
إن احترام السيادة يبدأ من احترام ذاكرة الشعوب، واحترام ذاكرة العراقيين يقتضي ألا تتحول أرض الرافدين إلى مسرح لرسائل سياسية تتجاهل معاناتهم وتضحياتهم ، فالعراق بحاجة إلى استعادة قراره الوطني، لا إلى تكريس صورة الدولة التي تُدار إرادتها خارج حدودها. والسؤال الأهم هو إلى متى يبقى شعب العراق العظيم.. شعب الرافدين.. شعب الحضارات خانعاً راضخاً لمنظومة تقودها أحزاب عميلة وفصائل مسلحة وميليشيات!!؟ ألم يحين الوقت للأنتفاض لأنفسكم ومستقبلكم ومستقبل شعبكم ولتأريخكم .
4 / تموز / 2026















